بعد وقوف المفتشية العامة لوزارة التعليم على الاختلالات الخطيرة بمديرية أسفي…. هل يتحرك القضاء للمحاسبة ؟ أم سيستمر الإفلات من العقاب؟
بعد وقوف المفتشية العامة لوزارة التعليم على الاختلالات الخطيرة بمديرية أسفي…..هل يتحرك القضاء للمحاسبة؟ أم سيستمر الإفلات من العقاب؟
أسامة الوردي
حلّت لجنة من المفتشية العامة لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بمديرية التعليم بأسفي منذ يوم الاثنين 20 يناير الجاري إلى غاية 24 منه، حيث باشرت افتحاص ملفات متعددة على المستويات الإدارية، التربوية، والمالية، وزارت عدداً من المؤسسات التعليمية. ما توصلت إليه اللجنة كشف عن وجود اختلالات خطيرة، أبرزها شُبهات تبديد المال العام وسوء التدبير، وهي قضايا تثير تساؤلات مشروعة حول مصير المتورطين، وما إذا كانت المتابعة القضائية ستأخذ مجراها وفق القانون المغربي، على اعتبار أن تبديد المال العام يعد من الجرائم الخطيرة التي يعاقب عليها القانون المغربي بشدة، حيث تنص المادة 241 من القانون الجنائي المغربي على أنه: “يعاقب بالسجن من خمس سنوات إلى عشرين سنة كل موظف عمومي بدد أو اختلس أو استعمل بدون وجه حق أموالاً عامة كانت تحت يده بسبب وظيفته”. فهذا النص يُلزم الجهات المسؤولة بمتابعة كل من ثبت تورطه في سوء تدبير أو نهب المال العام، لا سيما في القطاعات الحيوية كالتعليم، وهو القانون نفسه الذي يعاقب كذلك كل من تستر على جريمة اختلاس أو تبديد المال العام باعتباره يُعد مخالفة للقانون، حيث إن الفصل 299 من القانون الجنائي المغربي ينص على أنه: “يعاقب بالحبس من شهر إلى سنتين وغرامة من 200 إلى 2,000 درهم كل من علم بوقوع جناية أو جنحة تمس الأمن العام أو الأموال العامة ولم يُبلغ السلطات المختصة، إلا إذا أثبت وجود عذر مقبول” .
وإذا كان التستر ينطوي على مساعدة مباشرة للجاني أو إخفاء الأدلة أو تسهيل الاستفادة من المال المختلس، فقد يُعتبر المتستر شريكًا في الجريمة بموجب الفصل 129، وتُطبق عليه نفس العقوبات المفروضة على مرتكب الجريمة الأصلية، أما إذا اعتُبر المتستر شريكًا في جريمة اختلاس أو تبديد المال العام، فتطبق عليه عقوبات الفصول 241 إلى 248، التي تنص على السجن من 5 إلى 20 سنة، حسب جسامة الجريمة.
وبالرجوع إلى الاختلالات التي رصدتها اللجنة المذكورة، فإنه من المرجح وقوفها على وجود خروقات مالية واضحة، سواء من خلال شبهة التلاعب في الوثائق، وسوء استغلال سندات الطلب، مما يوجب فتح تحقيق قضائي شامل لتحديد المسؤوليات.
وحيث إن النيابة العامة تُعد الجهة المختصة بفتح تحقيقات قضائية في جرائم المال العام، بناءً على التقارير التي ترفعها لجان التفتيش أو الجهات الرقابية. وفي حالة أسفي، فإن ما كشفته لجنة المفتشية العامة قد يُشكل قاعدة صلبة لتحريك دعوى قضائية وفق القوانين التالية: المادة 129 من القانون الجنائي، المتعلقة بالاشتراك في الجريمة، والتي تنص على معاقبة كل من ساعد أو سهّل ارتكاب جريمة اختلاس أو تبديد أموال عمومية، والمادة 540 من القانون الجنائي، التي تُعاقب على التحايل والغش الذي يؤدي إلى الإضرار بمصالح الدولة أو المؤسسات العمومية، وكذا القانون رقم 43.05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال، في حال ثبوت تحويل أموال عمومية مختلسة إلى حسابات خاصة أو استثمارها بطرق غير قانونية، وإلى جانب العقوبات السجنية، يُلزم القانون الجنائي المغربي المتورطين في قضايا تبديد المال العام بإرجاع الأموال المختلسة وتعويض الخسائر التي لحقت بالمؤسسات العمومية. كما يمكن أن تشمل العقوبات: الحرمان من ممارسة الوظائف العمومية، ومصادرة الممتلكات المكتسبة بطرق غير مشروعة، والتشهير بالأحكام القضائية لضمان الردع العام.
إن فتح تحقيق قضائي نزيه وشفاف في هذه الملفات يعد اختباراً حقيقياً لمدى التزام الدولة بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، المنصوص عليه في الفصل الأول من الدستور المغربي. فالفساد المالي لا يهدد فقط قطاع التعليم، بل يعصف بثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، ويعطل التنمية الشاملة.
كما أن استمرار الإفلات من العقاب، سواء بتجاهل تقارير التفتيش أو تسوية القضايا داخلياً دون محاسبة، سيؤدي إلى تفاقم الجرأة على نهب المال العام، ويعزز مناخ الفساد الإداري الذي يعرقل إصلاح المنظومة التعليمية.
وفي ظل هذه المعطيات، تواصل الهيئات الحقوقية، النقابية، والإعلامية المطالبة بضمان إحالة الملفات على القضاء، مع متابعة مستمرة لمجريات التحقيق. كما تطالب القضاء بإظهار الصرامة في معالجة مثل هذه القضايا، ليثبت أن القانون فوق الجميع، وأن نهب المال العام لن يمر دون عقاب.
إن ملفات الاختلالات المالية والإدارية بمديرية التعليم بأسفي تشكل اختباراً جديداً لمدى جدية الدولة في محاربة الفساد. خاصة وأن القضاء على هذه الممارسات يتطلب إرادة سياسية قوية، إجراءات قانونية صارمة، وتفعيل المحاسبة الحقيقية، خاصة وأن التعليم، باعتباره ركيزة أساسية للتنمية، لا يمكنه النهوض إلا بموارد مالية وإدارية تُدار بنزاهة وكفاءة، بعيداً عن مظاهر الفساد التي تستنزف المال العام وتهدر فرص الأجيال القادمة.