المراسل الصحفي بين سندان “التشهير” ومطرقة التهمي: عندما يتحول القانون إلى سياج للمصالح لا درعاً للحقيقة
في الوقت الذي تصدح فيه الشعارات حول “حرية التعبير” وتخليق الحياة العامة، تكشف الممارسة الميدانية عن فوارق صارخة تضع “المراسل الصحفي” في فوهة مدفع المتابعات القضائية، مجرداً من أي حماية قانونية فعلية تليق بدوره كعين للمجتمع في المناطق المنسية والبعيدة.
لقد أصبح من المألوف اليوم رؤية سيول من شكايات “التشهير” تتقاطر على مكاتب النيابة العامة، لا غيرةً على الشرف، بل “تكميماً للأفواه” التي تجرأت على كشف عورات الفساد ومصالح المتنفذين. المفارقة الصادمة تكمن في استغلال مقتضيات القانون الجنائي (خاصة الفصول المتعلقة بالحياة الخاصة) للالتفاف على “قانون الصحافة والنشر”، مما يحول العمل الصحفي من واجب مهني إلى مغامرة قد تنتهي خلف القضبان بتهمة “نشر أخبار كاذبة” أو “المس بالسمعة”.
و بينما يتمتع “الصحفي المهني” – نظرياً – بحد أدنى من الحصانة التي توفرها البطاقة المهنية والمؤسسة، يجد المراسل الصحفي نفسه في مواجهة العواصف وحيداً. القانون الحالي لا يزال ينظر إلى المراسل كـ”طرف ملحق” لا تشمله تدابير الحماية الكافية، بل ويُحرم في كثير من الأحيان من صفة “الصحفي” عند الوقوف أمام القضاء، ليُحاكم كمواطن عادي تحت بنود القانون الجنائي القاسية، بدلاً من قانون الصحافة الذي يمنع العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر.
إن ما يحدث اليوم هو “إعدام معنوي” للمراسلين؛ فالمصالح الشخصية للمسؤولين والمتنفذين تُحمى بترسانة قانونية تُفعل بسرعة البرق تحت ذريعة “التشهير”، بينما تظل حقوق المراسلين في الحماية من الاعتداءات، والوصول إلى المعلومة، والضمانات المهنية، “حبراً على ورق” أو مؤجلة في رفوف الانتظار التشريعي.
إن حماية المصالح الشخصية عبر بوابة القضاء لا يجب أن تتم على أنقاض حرية النقد وكشف الاختلالات. الاستمرار في تجريد المراسلين الصحفيين من صفتهم القانونية وحمايتهم المهنية هو دعوة صريحة لعودة “صحافة الصمت” ومباركة للفساد ليتغول في صمت.
وإن إصلاح منظومة الصحافة يبدأ من رد الاعتبار للمراسل الميداني، وتفعيل “وحدة القوانين” بحيث لا يُزج بصاحب القلم في غياهب السجون بموجب قانون جنائي وجِد أصلاً للمجرمين، لا لمن نذروا حياتهم لقول الحقيقة.