إفطار نقابي بروح المسؤولية… مناديب السلامة في قلب معركة حماية الإنسان
✍️ سمير اشقر
هناك مناسبات تمرّ مرورًا عابرًا، وهناك لحظات تتجاوز شكل الدعوة وبروتوكولها لتصبح رسالة في ذاتها. الإفطار الرمضاني الذي تنظمه النقابة الوطنية للفوسفاط UGTM/SNP بإقليم الجديدة هو من هذا الصنف الثاني؛ موعدٌ لا يجمع فقط حول مائدة، بل حول فكرة ومسؤولية ووعيٍ جماعي يتجدد.
في شهر رمضان، حيث تتصافى القلوب وتعلو قيمة التضامن، تختار النقابة أن تفتح نقاشًا في موضوع دقيق وحيوي: حفظ الصحة والسلامة، والمرجعية القانونية ومسؤولية المرحلة. وكأنها تقول إن الصوم ليس انقطاعًا عن قضايا الواقع، بل عودةٌ إليها بضميرٍ أكثر صفاءً وإحساسٍ أعمق بالواجب.
الحديث عن الصحة والسلامة في بيئات العمل، خاصة في قطاع حيوي كالفوسفاط، ليس ترفًا تنظيميًا ولا شعارًا مناسباتيًا. إنه جوهر العلاقة بين المؤسسة والعامل، بين الإنتاج وكرامة الإنسان. فكل إجراء وقائي يُحترم هو انحياز للحياة، وكل تدبير احترازي يُفعّل هو رسالة تقدير لجهد العامل الذي يصنع القيمة بعرقه وصبره.
وفي قلب هذا الورش الحيوي يقف مندوبو حفظ الصحة والسلامة. هؤلاء ليسوا مجرد أسماء في لوائح تنظيمية، بل هم عين اليقظة داخل مواقع العمل، وصوت التنبيه حين يلوح خطر، وجسر الثقة بين الأجراء والإدارة. لا ينتظرون وقوع الحادث ليُدينوا أو يُحاسبوا، بل يتحركون قبله ليمنعوا ويقترحوا ويصححوا. وجودهم اليومي في التفاصيل الصغيرة—التي قد يغفل عنها البعض—هو حضور مسؤولية قبل أن يكون حضور تمثيلية.
دورهم يتجاوز المراقبة إلى التأطير والتحسيس. فهم يساهمون في ترسيخ ثقافة الوقاية، ويعززون وعي الأجراء بحقوقهم وواجباتهم وفق المرجعية القانونية المؤطرة لمجال السلامة المهنية. القانون يمنحهم صلاحيات، لكنه يمنحهم أيضًا أمانة ثقيلة: أمانة الدفاع عن بيئة عمل آمنة تحفظ الأرواح وتصون الكرامة.
وفي زمن تتسارع فيه وتيرة الإنتاج وتتعاظم التحديات، يصبح صوت مندوب السلامة ضرورة لا ترفًا. كل تنبيه قد يجنب إصابة، كل توصية قد تقي من حادث، وكل تقرير يُرفع في وقته قد يصنع فرقًا حقيقيًا في شروط العمل. لذلك فإن تسليط الضوء عليهم هو اعتراف بقيمة العمل الوقائي، وتأكيد أن سلامة الإنسان تسبق كل اعتبار.
إن المرحلة التي نعيشها تتطلب يقظة مضاعفة وروحًا تشاركية صادقة. فلا إدارة تنجح دون انخراط الأجراء، ولا عمل نقابي يثمر دون وعي جماعي بالمسؤولية. وحين تلتقي الإرادة القانونية بالإرادة الأخلاقية، تتحول النصوص إلى ممارسة، والشعارات إلى التزام يومي ملموس.
هذا الإفطار الرمضاني ليس مجرد موعد في أجندة شهر مارس، بل محطة وعي. هو دعوة لأن يكون رمضان بداية عهدٍ جديد في مقاربة قضايا الصحة والسلامة، وأن يتحول دعم مناديب حفظ الصحة والسلامة إلى ثقافة مؤسساتية راسخة، تحمي الإنسان أولًا، وتمنح العمل معناه الأسمى.
فالرهان في النهاية هو الإنسان. وإذا حُفظت صحته، وصينت كرامته، وأُحسن تأطيره قانونيًا ومهنيًا، فإن كل مكسب آخر يصبح ممكنًا. هكذا يكون رمضان بركة في الروح، وبركة في العمل، وبركة في المستقبل.