أخيرًا… سيعيش أبنائي في راحة!*

  • بتاريخ : مارس 13, 2026 - 5:49 ص
  • الزيارات : 53
  • *أخيرًا… سيعيش أبنائي في راحة!*

    راحة الإنسان في الاتساع الذي يستحق! ولا أقصد هنا الاتّساع في المساحة أو المكان، بل في المعنى، لقد اتسعت بيوتنا كما لم تتسع من قبل، أصبحنا نعيش في غرف مستقلة، وصالات فسيحة، وأثاث أنيق وفخم، وأبواب تُفتح بكلمة سر، وأجهزة ذكية تملأ الزوايا حركةً وصوتًا، لكن شيئًا خفيًّا بدأ ينكمش بهدوء، وهو صدر الإنسان ..
    في الماضي كان البيت غرفةً أو غرفتين، لكننا كنّا ننام على صوت الحكاية، ونستيقظ على دفء الدعاء، لم تكن المساحات واسعة، لكن القلوب كانت تتسع للجميع.

    اشترى أحد التجار بيتًا كبيرًا كما كان يحلم دائمًا، مجلس فسيح، وغرف لكل واحد من أبنائه، وصالة واسعة تتوسطها شاشة ضخمة. قال بفخرٍ يوم الانتقال: “أخيرًا… سيعيش أبنائي في راحة” ..
    مرّت الأيام، وأصبح لكل ابنٍ عالمه الخاص، أحد الأبناء خلف بابه المغلق وسماعاته، وإحدى بناته بين هاتفها ونافذتها، والأم تتنقل بين المطبخ والغرف، والأب في مجلسه يتصفح مواقع التواصل ومتابعة الأخبار.

    صحيح أن بيوتنا أصبحت واسعًا! لكن الضحكة صارت نادرة، والجلسة الجماعية أصبحت ذكرى، وفي مساءٍ هادئ، انقطعت الكهرباء فجأة، سكنت الأجهزة، وانطفأت الشاشات، وخرج الأبناء من غرفهم يبحثون عن مصدر الضوء ..
    اجتمعوا في الصالة على ضوء شمعة، جلسوا متقاربين بلا تخطيط، بدأت الأم تحكي موقفًا قديمًا من بيتهم الصغير الأول، فضحكوا، ثم تذكّر الأب قصةً قديمة، وتداخلت الأصوات، وعاد الدفء الذي غاب طويلًا.

    قال أحد الأبناء فجأه: “بابا زمان لما كان بيتنا صغيرًا كنّا نقعد مع بعض أكثر”، سكت الأب قليلًا، ونظر حوله، البيت أكبر، نعم، لكن تلك اللحظة الصغيرة كانت أوسع من كل الجدران، وعادت الكهرباء، وعادت الشاشات تضيء ..
    لكن الأب أطفأ التلفاز بيده وقال: “خلوها مطفية شوي، الجلسة هذه أغلى، في تلك الليلة، لم يتغير حجم البيت، لكن شيئًا في القلوب اتسع، ومنذ ذلك اليوم، صاروا يطفئون الكهرباء بإرادتهم، ليضيئوا ما هو أهم.

    *ترويقة:*
    في الماضي كان البيت صغيرًا، لكن كانت هناك جلسة تجمع الجميع، لم يكن لكل فردٍ عالمه الخاص، بل كان العالم كله يبدأ من تلك السفرة البسيطة، ومن حديثٍ عابرٍ يتحول إلى ضحكاتٍ طويلة، واليوم على النقيض قد يجلس الأب في صالةٍ واسعة، والأم في غرفةٍ أخرى، والأبناء خلف أبوابٍ مغلقة، والبيت رغم كبره يبدو فارغًا ..
    وإن أخطر ما في اتساع البيوت أن نُهمل اتساع الصدور، فتنشأ أجيالٌ تعرف كيف تُغلق الباب، ولا تعرف كيف تفتح قلبها، فلنعد ترتيب أولوياتنا، وليكن أول استثمارنا في بيوتنا: جلسة صادقة، ابتسامة حقيقية، سؤال دافئ: “كيف كان يومك؟” فقد يكون البيت كبيرًا، لكن كلمةً حانية هي التي تجعله يسع الدنيا.

    *ومضة:*
    السؤال كيف نعيد للبيت روحه؟
    يعود بجلسة يومية بلا هواتف، وسفرة بسيطة تجتمع عليها الأسرة، وسؤال صادق عن مشاعر الأبناء، لا عن درجاتهم فقط، واعتذار من الأب حين يخطئ ليُعلم قبل أن يُربي، ودعاء يُسمع في أرجاء البيت، ليشعر الجميع أن هناك قلبًا يسهر عليهم، فالبيت ليس فندقًا نقيم فيه، بل بيئة تُشكل أرواحًا ستخرج يومًا إلى العالم، وإن لم نملأه دفئًا بحثوا عن الدفء خارجه.

    *رابط:*
    https://x.com/i/status/2027832087995421098

    ✒️ صَالِح الرِّيمِي

    *كُن مُتََفائِلاً وَابعَث البِشر فِيمَن حَولَك*