A place where you need to follow for what happening in world cup

الإعلام الجديد… منبر للحرية أم ساحة لإعادة تشكيل العقول؟

0 282

مقال اليوم الثالث من المسابقة الدولية للاتحاد العالمي للتنمية والحرية والسلام

✍️ د سمير أشقر
اعلامي و سفير سلام دولي

هناك لحظة صامتة لا ننتبه لها كثيرًا… لحظة نفتح فيها الهاتف “فقط لنتصفح”، فنخرج بعد دقائق او ساعات—بأفكار لم تكن لنا، ومواقف لم نخترها بوعي كامل. هنا تبدأ الحكاية.
في زمنٍ لم تعد فيه الحدود تُرسم على الخرائط فقط، بل داخل العقول، يبرز الإعلام الجديد كقوةٍ ناعمة تعيد تشكيل الوعي الإنساني بطرق غير مسبوقة. لم يعد الأمر متعلقًا بنقل الخبر أو تداول المعلومة، بل بتوجيه الإدراك وصياغة الرؤية، حتى أصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل ما نراه هو الحقيقة، أم نسخة مُعاد تشكيلها لتناسب خريطة التأثير؟
لقد منح الإعلام الرقمي الإنسان مساحة واسعة للتعبير، فصار كل فرد قادرًا على أن يكون صانع محتوى، وناقل فكرة، ومؤثرًا في محيطه. وهذا التحول في حد ذاته يُعد مكسبًا حضاريًا يعزز حرية التعبير ويكسر احتكار المعلومة. غير أن هذه الحرية، في غياب وعي نقدي راسخ، قد تتحول إلى مدخل لإعادة تشكيل القناعات وتوجيه السلوك بشكل غير مباشر.
إن الخوارزميات التي تدير هذا الفضاء الرقمي لا تتحرك وفق معايير الحقيقة بقدر ما تُبنى على منطق التفاعل والانتباه. فهي ترصد اهتمامات المستخدم، وتعيد إنتاج محتوى يتوافق مع ميوله، ما يؤدي إلى خلق “فقاعات معرفية” تحاصر الفرد داخل دائرة ضيقة من الأفكار المتشابهة. وبهذا، يتقلص التنوع المعرفي، ويضعف الاحتكاك بالرأي المخالف، فينشأ وعيٌ انتقائي يظن صاحبه أنه يحيط بالصورة الكاملة، بينما هو يرى جزءًا منها فقط.
ومن هنا، يتحول الإعلام الجديد من كونه منبرًا للحرية إلى ساحة خفية لإعادة تشكيل العقول، حيث لا تُفرض الأفكار بالقوة، بل تُغرس عبر التكرار، وتُرسخ عبر العاطفة، وتُمرر في سياق يبدو طبيعيًا وعفويًا. إنها عملية دقيقة تُعيد ترتيب أولويات الفرد وتؤثر في قراراته دون أن يشعر.
ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى الإعلام الرقمي نظرة أحادية، فهو في جوهره أداة مزدوجة التأثير؛ يمكن أن يكون وسيلة للتحرر المعرفي والانفتاح الثقافي، كما يمكن أن يتحول إلى أداة للتوجيه والتأثير غير الواعي. الفارق الحقيقي يكمن في مستوى الوعي الذي يمتلكه المستخدم، وفي قدرته على التمييز بين المعلومة والتحليل، وبين الحقيقة والانطباع.
إن بناء وعي رقمي مسؤول لم يعد خيارًا، بل ضرورة ملحّة في عالم تتسارع فيه تدفقات المعلومات وتتقاطع فيه المصالح والتأثيرات. وعيٌ يقوم على النقد والتحليل، وعلى طرح الأسئلة قبل تبني الإجابات، وعلى إدراك أن ما يُعرض ليس دائمًا انعكاسًا كاملاً للواقع.
وفي هذا السياق، يصبح الإعلام ساحة اختبار حقيقية لحرية الإنسان:
إما أن يكون فضاءً يُمكّنه من الفهم والإبداع،
أو يتحول إلى بيئة تُعيد تشكيله وفق ما يُراد له أن يكون.
ختامًا، تبقى المعركة الأهم ليست في امتلاك المعلومة، بل في امتلاك القدرة على فهمها. لأن من يملك وعيه، يملك حريته… ومن يملك حريته، يملك مستقبله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.