A place where you need to follow for what happening in world cup

من الرؤية الملكية الى الدبلوماسية الفاعلة

0 227

✍️ سمير اشقر
مندوب جريدة النهضة الدولية

في لحظةٍ يتسابق فيها العالم لإعادة رسم خرائط النفوذ، اختار المغرب أن يشتغل بهدوء على ما هو أعمق… أن يمنح للجغرافيا روحًا، وللسياسة معنى يتجاوز الحسابات الضيقة. من هنا، لم تكن “المبادرة الأطلسية” فكرة عابرة، بل رؤية متكاملة تُترجم اليوم على الأرض عبر دينامية دبلوماسية يقودها ناصر بوريطة، بالتوجيهات السامية لـصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله .
التحركات الأخيرة التي بصمت عليها الدبلوماسية المغربية لم تأتِ منفصلة عن هذا المشروع الكبير، بل جاءت كامتداد طبيعي له. الاتفاقيات التي تم توقيعها مع عدد من دول الساحل الإفريقي لم تكن مجرد بروتوكولات تعاون، بل لبِنات أساسية في بناء ممر استراتيجي جديد يربط هذه الدول بالمحيط الأطلسي، ويعيد تشكيل خريطة المبادلات في القارة.
في هذا السياق، تحوّلت الزيارات الرسمية واللقاءات الثنائية إلى ورشات عمل حقيقية، تُترجم فيها الرؤية الملكية إلى التزامات ملموسة: تسهيلات لوجستية، مشاريع بنية تحتية، شراكات في النقل والطاقة، وتنسيق متقدم في مجالات التكوين وتبادل الخبرات. كل ذلك يصب في هدف واحد: فك العزلة عن دول الساحل، ومنحها منفذًا سياديًا نحو الأسواق العالمية.
ولعل ما يمنح هذه الاتفاقيات عمقها هو أنها لا تُبنى على منطق المساعدة الظرفية، بل على تصور متكامل للتكامل الإقليمي. فالمغرب لا يقدّم حلولًا جاهزة، بل يفتح مسارات مشتركة تُصاغ بتوافق مع شركائه، حيث تصبح نواكشوط وباماكو ونيامي ونجامينا نقاطًا فاعلة في شبكة اقتصادية جديدة، قوامها الانسيابية والتكامل بدل الانغلاق والتبعية.
إن الدبلوماسية المغربية، في هذا المسار، تشتغل بمنطق مختلف؛ لا تبحث عن الأضواء، بل عن الأثر. وما يوقعه ناصر بوريطة اليوم من اتفاقيات، هو في جوهره ترجمة عملية لرؤية ملكية تؤمن بأن استقرار المغرب لا ينفصل عن استقرار عمقه الإفريقي، وأن ازدهار الجوار هو امتداد طبيعي لازدهار الداخل.
هكذا، تتقاطع المبادرة الأطلسية مع هذه الاتفاقيات في نقطة جوهرية: إعادة تعريف السيادة الإفريقية من خلال التحكم في مفاتيح الاقتصاد، وفي مقدمتها الولوج إلى البحر. لم يعد الأمر مجرد طموح، بل مسار يُبنى خطوة بخطوة، اتفاقية بعد أخرى، ليحوّل الحلم إلى واقع.
في النهاية، يبدو المشهد واضحًا: المغرب لا يتحرك بردّ الفعل، بل بمنطق المبادرة. لا يكتفي بطرح الأفكار، بل ينسج حولها شبكة من الالتزامات والشراكات. وبين الرؤية الملكية والتنزيل الدبلوماسي، تتشكل معالم مرحلة جديدة… مرحلة تُكتب فيها إفريقيا بيد أبنائها، وبإرادة لا تقبل أن تظل حبيسة الجغرافيا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.