A place where you need to follow for what happening in world cup

افتتاح المسرح الملكي بالرباط … لحظة ميلاد صرح ثقافي يعيد رسم علاقة المدينة بالفن والعمارة

0 353

بقلم سمير أشقر
منذوب جريدة النهضة الدولية

في مساء 22 أبريل 2026، كانت الرباط على موعد مع لحظة ثقافية ذات دلالة خاصة، مع الافتتاح الفعلي لـ المسرح الملكي بالرباط، بعد سنوات من الترقب بين اكتمال الأشغال والتأجيل في الاستغلال. لم يكن الحدث مجرد افتتاح لبناية جديدة، بل بدا أقرب إلى إعلان دخول المدينة مرحلة مختلفة في علاقتها مع الثقافة، حيث يتحول الفضاء العمراني إلى حامل للمعنى الفني، وليس فقط إطارًا له.

على ضفاف وادي أبي رقراق، حيث يلتقي التاريخ بالتحول الحضري المعاصر، توافد الحضور في أجواء امتزج فيها الرسمي بالرمزي، وبحضور لافت لشخصيات بارزة، من بينها لالة مريم ولالة حسناء ولالة خديجة، إلى جانب السيدة بريجيت ماكرون، في مشهد عكس تقاطعًا بين البعد الثقافي والدبلوماسي الناعم، حيث تتحول الفنون إلى لغة مشتركة للحضور الدولي.

المسرح الذي يحمل توقيع المعمارية الراحلة زها حديد يفرض نفسه ككتلة معمارية تنفلت من الصلابة التقليدية، لصالح انسياب بصري يوحي بالحركة المستمرة. التصميم لا يعزل البناية عن محيطها، بل يجعلها امتدادًا لوادي أبي رقراق، حيث تنعكس الخطوط المنحنية على فكرة تدفق الماء والضوء والزمان في آن واحد. الواجهات الزجاجية الواسعة تفتح الداخل على الخارج، وتسمح للمدينة بأن تكون جزءًا من التجربة المسرحية قبل حتى دخول القاعة.

داخل هذا الصرح، تكشف البنية التقنية عن طموح واضح لتأسيس مسرح بمعايير دولية. القاعة الكبرى، التي تتسع لما يقارب 1800 متفرج، صُممت وفق هندسة صوتية دقيقة تعتمد على توزيع متوازن للصوت عبر الأسطح المنحنية، بما يضمن وضوحًا سمعيًا في كل نقطة من الفضاء. كما تم اعتماد أنظمة ميكانيكية حديثة لخشبة المسرح، تسمح بتغيير الديكور بسرعة وسلاسة، ما يفتح المجال أمام عروض معقدة من حيث الإخراج والحركة المسرحية.

وتكتمل هذه المنظومة بتقنيات إضاءة رقمية تعتمد على نظام LED متطور قابل للبرمجة، يتيح تشكيل أجواء بصرية متعددة خلال العرض الواحد، إلى جانب غرف تحكم مركزية تدير الصوت والإضاءة بشكل متزامن ودقيق. كما يوفر المسرح نظامًا صوتيًا مرنًا قادرًا على التكيف مع طبيعة كل عرض، من الأوبرا إلى المسرح الدرامي وصولًا إلى الحفلات الموسيقية الكبرى.

هذا المستوى من التجهيز يجعل من المسرح فضاءً متعدد الوظائف، لا يقتصر على نوع واحد من الفنون. فهو مؤهل لاستقبال الأوبرا العالمية الكلاسيكية، والحفلات السيمفونية، والعروض المسرحية المغربية والعالمية، إضافة إلى المسرح التجريبي الذي يبحث عن فضاءات غير تقليدية. كما يمكن أن يحتضن حفلات الجاز والموسيقى العالمية، والمهرجانات السينمائية المصحوبة بعروض حية، فضلًا عن الندوات الفكرية والمؤتمرات الدولية وحفلات التكريم، ما يجعله منصة ثقافية مفتوحة على مختلف أشكال التعبير.

غير أن أهمية المسرح لا تكمن فقط في قدرته التقنية أو في جمالية تصميمه، بل في موقعه داخل مشروع حضري أوسع لإعادة تأهيل وادي أبي رقراق، الذي تحول إلى محور استراتيجي يربط بين الرباط وسلا. في هذا السياق، يصبح المسرح جزءًا من رؤية تجعل من الواجهة النهرية فضاءً للحياة بدل أن تكون مجرد حد جغرافي بين مدينتين.

الافتتاح نفسه حمل أيضًا بعدًا إنسانيًا واضحًا، حيث بدا الجمهور شريكًا في لحظة الاكتشاف الأولى لهذا الفضاء. بين الانبهار بجمالية المعمار، والفضول تجاه التجربة الصوتية والبصرية، كان هناك إحساس بأن المكان يُولد فعليًا أمام الحضور، لا أنه يُفتتح فقط.

بهذا الافتتاح، لا تكتفي الرباط بإضافة معلمة معمارية إلى خريطتها، بل تضع نفسها في مسار جديد تعتبر فيه الثقافة ركيزة من ركائز المدينة الحديثة، حيث لا تُقاس القيمة فقط بما يُبنى، بل بما يُعاش داخل ما يُبنى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.