بقلم المصطفى مستقيم
المغرب ليس مجرد بلد بل حكاية تعايش تنطق بها المآذن والبيع والكنائس في زمن تمزقه صراعات الهوية ويعلو فيه صوت الانغلاق يبرز هذا البلد بصورة مختلفة تماما صورة ارض احتضنت الديانات الثلاث وجعلت من التعايش اسلوب حياة يومي لا شعارا عابرا هذا الواقع لم يولد من فراغ ولا فرضته لحظة سياسية بل هو امتداد لتاريخ طويل تشكل عبر قرون حيث وجد اليهود ملاذا منذ عصور بعيدة واستقر المسلمون واليهود القادمون من الاندلس بعد محاكم التفتيش فاختلطت الذاكرة وتشابكت الجذور حتى صار من الصعب فصل المغربي عن عمقه العبري وامتداده الامازيغي وروحه الاسلامية
هذا التراكم الحضاري لم يبق حبيس الماضي بل ترسخ في الحاضر بشكل واضح حين اعترف الدستور بالمكون العبري كجزء اصيل من الهوية الوطنية في خطوة نادرة داخل العالم العربي وفي مدن كثيرة لا تبدو المقدسات متباعدة بل متجاورة حيث توجد اضرحة يقصدها المسلم واليهودي معا في مشهد يعكس بعدا انسانيا يتجاوز حدود العقيدة ويجسد فكرة المشترك بدل الصراع
ويظل الدور المحوري في حماية هذا التوازن للمؤسسة الملكية التي تجعل من امارة المؤمنين مظلة جامعة لا تقتصر على فئة بعينها بل تمتد لتشمل جميع اهل الكتاب وهو ما منح المغرب خصوصيته كارض للحوار والانفتاح وفتح ابوابه لاحتضان لقاءات دينية كبرى تعزز صورته كجسر بين الحضارات
وعلى مستوى الواقع اليومي يظهر هذا التعايش بشكل ملموس في ازقة المدن العتيقة حيث تتجاور احياء الملاح مع المساجد وفي المدن الحديثة حيث تختلط اجراس الكنائس بنداء الاذان دون توتر او صدام كما ينعكس في المدرسة التي تدرس للاجيال تاريخ المكون العبري باعتباره جزءا من الذاكرة الوطنية وفي العادات الاجتماعية التي لا تزال تحافظ على طقوس مشتركة مثل ميمونة التي تعبر عن روح المشاركة والتقاسم
هكذا يقدم المغرب نموذجا حيا يؤكد ان التعدد لا يعني الانقسام وان الاختلاف يمكن ان يتحول الى مصدر غنى لا تهديد وهو ما يجعل هذه التجربة ليست مجرد صورة تقدم للخارج بل حقيقة راسخة في وجدان مجتمع استطاع ان يحول التنوع الى قوة وان يجعل من التعايش قدرا يوميا يعيشه الناس بكل بساطة.
- تعليقات
- تعليقات فيسبوك