A place where you need to follow for what happening in world cup

فيض المعلومات… حين تُنتج الكثرة وهْم المعرفة

0 103

24/04/2026
مقال اليوم الخامس عشر من المسابقة الدولية للاتحاد العالمي للتنمية والحرية والسلام
بقلم سمير أشقر
اعلامي و سفير سلام دولي

لم تعد الإشكالية اليوم في ندرة المعلومات، بل في وفرتها المفرطة. فالعالم الرقمي يقدّم لنا كل لحظة تدفقًا هائلًا من الأخبار، العناوين، التحليلات، والتعليقات، حتى بات المتلقي يعيش داخل تيار لا يتوقف من المحتوى. لكن وسط هذا الزخم، يبرز سؤال أعمق: هل نعرف فعلًا أكثر… أم أننا فقط نستهلك أكثر؟
في هذا الفضاء المتسارع، تتداخل الأخبار مع إعادة النشر، وتتشابه الصيغ حتى يصبح التمييز بين المصدر الأصلي والمحتوى المُعاد تدويره أمرًا صعبًا على المتلقي العادي. ومع الوقت، يتكوّن شعور خادع بالمعرفة؛ إحساس بأننا مطّلعون على كل شيء، بينما كثير مما نراه لم يخضع للتحقق الكافي.
تبدأ “المعرفة الزائفة” في التسلل بهدوء.
ليست لأنها قائمة على كذب صريح دائمًا، بل لأنها تُقدَّم في شكل مقنع، يتكرر في أكثر من منصة، ويُعاد صياغته بصور مختلفة حتى يبدو كحقيقة مستقرة. وهكذا، يتحول التكرار إلى مصدر وهمي للثقة.
وفي هذا السياق، تشير دراسات في مجال الإعلام الرقمي وسلوك المتلقي إلى أن كثافة التعرض للأخبار عبر المنصات الرقمية لا تعني بالضرورة ارتفاع مستوى الفهم، بل قد تؤدي في بعض الحالات إلى ما يُعرف بـ“وهم المعرفة”؛ أي شعور الفرد بأنه مطّلع بسبب التكرار وكثرة التعرض، رغم ضعف التحقق أو العمق في الفهم. هذا المفهوم تناولته أبحاث في علم النفس المعرفي والإعلام، حيث يرتبط أيضًا بظواهر مثل “التأثير التكراري” و”الانحياز المعرفي”، التي تجعل المعلومة تبدو أكثر صحة كلما تكررت، حتى دون دليل إضافي.

الأخطر في هذا المشهد أن سرعة النشر أصبحت تتقدم على دقة المعلومة. ففكرة واحدة قد تُنشر خلال ثوانٍ، وتصل إلى آلاف الأشخاص قبل أن يُطرح السؤال البسيط: هل هي صحيحة؟ وفي كثير من الأحيان، لا تصل التصحيحات بنفس القوة أو الانتشار، مما يترك أثرًا أوليًا يصعب محوه.
ومع هذا الواقع، لم يعد التحدي في الوصول إلى المعلومة، بل في التعامل معها.
في القدرة على التوقف لحظة قبل التصديق، وعلى طرح سؤال بسيط لكنه حاسم: من أين جاءت هذه المعلومة؟ وهل تم التحقق منها فعلًا؟
هذه اللحظة الصغيرة من التريث تصنع فارقًا كبيرًا.
فهي التي تفصل بين معرفة مبنية على الفهم، ومعرفة شكلية تتكرر حتى تُقنع صاحبها بأنها حقيقة.
في النهاية، لا يقاس الوعي اليوم بعدد ما نقرأه،
بل بقدرتنا على التمييز بين ما يُضاف إلى فهمنا… وما يزدحم به فقط دون معنى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.