من ابتلع دعم الأضاحي في المغرب؟ مليارات صُرفت… أرقام مطمئنة قُدمت للمغاربة… ثم انفجرت الأزمة في الأسواق
بقلم سمير أشقر
في الأسواق الأسبوعية بالمغرب، لم يكن المشهد هذا العام يشبه مواسم العيد التي اعتادها المغاربة.
الازدحام حاضر، لكن الفرحة غائبة.
وجوه متعبة تتنقل بين الحظائر، مواطنون يسألون عن الأسعار ثم يغادرون بصمت، وكأنهم دخلوا السوق فقط ليتأكدوا أن الأضحية خرجت فعلًا من قدرتهم الشرائية.
وسط هذا الغضب الشعبي، برز سؤال ثقيل يطارد الجميع:
كيف وصلت أسعار الأضاحي إلى هذه المستويات رغم الدعم الحكومي الكبير لاستيراد المواشي، ورغم الأرقام الرسمية التي تحدثت عن وفرة القطيع؟
الحكومة أعلنت خلال العامين الماضيين إجراءات استثنائية لمواجهة أزمة اللحوم والمواشي، شملت إعفاءات جمركية وضريبية ودعمًا مباشرًا لاستيراد الأغنام.
وبحسب المعطيات الرسمية، تم تخصيص حوالي 437 مليون درهم لدعم استيراد ما يقارب 875 ألف رأس من الأغنام، بمعدل 500 درهم عن كل رأس مستورد.
الهدف المعلن كان واضحًا:
تخفيف الأسعار وضمان وفرة الأضاحي قبل عيد الأضحى.
لكن ما حدث داخل الأسواق كشف واقعًا مختلفًا تمامًا.
فالأسعار ظلت مرتفعة، بل وصلت في بعض المناطق إلى مستويات غير مسبوقة، بينما وجدت آلاف الأسر المغربية نفسها عاجزة عن اقتناء أضحية العيد لأول مرة منذ سنوات طويلة.
المفارقة الأخطر أن هذه الأزمة وقعت رغم الحديث الرسمي عن وجود ما بين 8 إلى 9 ملايين رأس من الأغنام المخصصة للأضحية، ورغم عمليات الاستيراد المكثفة التي قُدمت للرأي العام كحل لإنقاذ السوق.
وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
إذا كانت الدولة قد أنفقت مئات الملايين من المال العام لدعم الاستيراد، فمن استفاد فعليًا؟
ولماذا لم يشعر المواطن بانخفاض الأسعار؟
وكيف تحولت “وفرة الأرقام” إلى واقع من الندرة والغلاء؟

التحقيق في بنية السوق يكشف أن الأزمة أعمق من مجرد الجفاف أو ارتفاع الأعلاف.
فسوق المواشي في المغرب يمر عبر شبكة طويلة من الوسطاء والسماسرة والمضاربين، حيث ينتقل الخروف من المربي إلى تاجر الجملة ثم إلى السوق المحلي قبل أن يصل إلى المواطن بثمن مضاعف.
وفي كل مرحلة، ترتفع الأرباح بينما يختفي أثر الدعم تدريجيًا.
عدد من المهنيين يتحدثون أيضًا عن تحكم كبار الفاعلين في السوق، خصوصًا أولئك الذين يملكون القدرة على الاستيراد والتخزين وتوجيه العرض حسب الطلب.
في المقابل، وجد “الكساب” الصغير نفسه خارج المعادلة، عاجزًا عن تحمل ارتفاع أسعار الأعلاف والجفاف وتكاليف النقل والدواء.
لكن الملف لا يقف عند حدود الاستيراد فقط.
فالآن، وبعد انفجار الأزمة، عاد اسم الجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز المعروفة اختصارًا بـ”أنوك” إلى واجهة الجدل.
الجمعية التي تشرف منذ سنوات على عملية ترقيم أضاحي العيد، هي نفسها الجهة التي تُبنى على معطياتها الأرقام الرسمية المتعلقة بحجم القطيع ووفرة الأضاحي في المغرب.
الوثائق المالية الخاصة بالجمعية لسنة 2024 تكشف أنها استفادت، في إطار شراكات مباشرة مع وزارة الفلاحة، من أكثر من مليار و900 مليون سنتيم مقابل عملية ترقيم الأضاحي.
وهنا تبرز نقطة شديدة الحساسية.
لأن عملية الترقيم ليست إجراءً تقنيًا بسيطًا، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه المعطيات الرسمية التي تطمئن الرأي العام بشأن وفرة القطيع الوطني.

بمعنى أوضح:
الجهة التي كانت تؤكد وجود وفرة في الأضاحي، هي نفسها الجهة المستفيدة ماليًا من عملية الترقيم.
واليوم، بعدما اصطدم المواطن بواقع مختلف تمامًا داخل الأسواق، اختفت “أنوك” تقريبًا من المشهد الإعلامي، بينما تُركت وزارة الفلاحة وحدها في مواجهة الغضب الشعبي والأسئلة المحرجة.
لا بيانات تفصيلية منشورة للرأي العام.
لا توضيحات دقيقة حول عدد الرؤوس المرقمة حسب الجهات والأقاليم.
ولا تفسير رسمي للفجوة الصادمة بين الأرقام المعلنة والواقع الذي عاشه المغاربة في الأسواق.
ومن حق الرأي العام اليوم أن يطالب بكشف الحقيقة كاملة:
كم بلغ عدد القطيع المرقم فعليًا؟
أين توزعت هذه الأعداد؟
ما حجم القطيع الذي دخل فعلًا إلى الأسواق؟
وكيف انتقلت الاحداث من خطاب “الوفرة” إلى واقع “الندرة”؟
لأن القضية لم تعد مجرد نقاش موسمي حول أسعار الأضاحي، بل تحولت إلى ملف يمس الأمن الغذائي الوطني والثقة في المعطيات الرسمية.
وأي تضخيم أو سوء تقدير أو تقديم أرقام غير دقيقة في ملف بهذه الحساسية، مقابل أموال عمومية ضخمة، لا يمكن اعتباره مجرد “خطأ تقني”.
بل يفرض مساءلة حقيقية: من قدّم الأرقام؟
من راقبها؟
ومن يتحمل مسؤولية الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع؟
في النهاية، المواطن المغربي الذي دخل السوق وعجز عن شراء أضحية العيد، لم يعد يبحث فقط عن خروف…
بل يبحث عن الحقيقة.
