في لحظة رمزية لافتة داخل مقر الأمم المتحدة بنيويورك، أُعلن يوم الأربعاء 3 يونيو 2026 عن اختيار المملكة المغربية لشغل المقعد الأول خلال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، المقرر افتتاحها في شتنبر 2026. ورغم أن هذا الاختيار يتم وفق الآليات البروتوكولية المعتمدة داخل المنظمة الدولية، فإنه يحمل في طياته دلالات سياسية ورمزية تعكس الحضور المتنامي للمغرب داخل الساحة الدولية.
ففي عالم العلاقات الدولية، لا تقتصر قوة الدول على ما تمتلكه من نفوذ اقتصادي أو عسكري، بل تمتد أيضاً إلى قدرتها على بناء صورة دولية إيجابية وحضور مؤثر داخل المؤسسات متعددة الأطراف. ومن هذا المنطلق، يأتي وجود المغرب في المقعد الأول للجمعية العامة كصورة رمزية تعكس مساراً دبلوماسياً متواصلاً نجحت المملكة في ترسيخه خلال السنوات الأخيرة.
لقد استطاع المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، أن يرسخ نموذجاً دبلوماسياً يقوم على الانفتاح والتوازن وبناء الشراكات الاستراتيجية، وهو ما مكّنه من تعزيز حضوره في مختلف القارات، سواء عبر التعاون جنوب-جنوب، أو من خلال شراكاته المتقدمة مع القوى الدولية الكبرى، أو عبر مساهماته المتزايدة في قضايا السلم والأمن والتنمية المستدامة.
ويأتي هذا الاختيار في ظرفية دولية دقيقة تشهد تحولات متسارعة في موازين العلاقات الدولية، حيث أصبحت الدول القادرة على بناء جسور الحوار والتعاون تحظى باهتمام متزايد داخل المنظمات الدولية. وفي هذا السياق، يقدم المغرب نفسه باعتباره فاعلاً مسؤولاً ومعتدلاً، يدافع عن الحلول الواقعية والتوافقية ويؤمن بأهمية العمل الجماعي لمواجهة التحديات العالمية.
كما يعكس هذا الحضور الرمزي المكانة التي باتت تحظى بها الدبلوماسية المغربية داخل الأمم المتحدة، خاصة في ظل تنامي الدعم الدولي للمبادرات المغربية في عدد من الملفات الاستراتيجية، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية، حيث أصبحت مبادرة الحكم الذاتي تحظى بتأييد متزايد من عدد من الدول المؤثرة التي تعتبرها أساساً جدياً وواقعياً وذا مصداقية لتسوية هذا النزاع الإقليمي.
ولا يمكن فصل هذا التطور عن النجاحات التي حققتها المملكة على المستويين الإفريقي والدولي، سواء من خلال حضورها المتنامي داخل القارة الإفريقية، أو عبر دورها في قضايا التنمية والاستثمار والهجرة والتغير المناخي والأمن الغذائي، وهي ملفات أصبحت تحظى بأولوية متقدمة داخل أجندة الأمم المتحدة.
إن ظهور المغرب في مقدمة قاعة الجمعية العامة، حتى وإن كان في إطار بروتوكولي، يمنح صورة قوية عن بلد استطاع أن يفرض حضوره بهدوء وثبات داخل فضاءات القرار الدولي، وأن يعزز مكانته كشريك موثوق يحظى بالاحترام والتقدير.
وهكذا، فإن المقعد الأول لا يمثل مجرد موقع داخل قاعة الأمم المتحدة، بل يرمز إلى موقع متقدم باتت المملكة المغربية تحتله في الوعي الدبلوماسي الدولي، وإلى الثقة المتزايدة التي تحظى بها رؤيتها القائمة على الحوار والاستقرار والتنمية المشتركة.
سمير أشقر
مندوب جريدة النهضة الدولية