السياسة في زمن الميركاتو: هل انتهى عهد المناضلين واستفحال الانتقالات السياسية بلا قواعد ولا أخلاق

  • الكاتب : رشيد اكوراي
  • بتاريخ : يونيو 21, 2026 - 5:19 م
  • الزيارات : 35
  • في المشهد السياسي المغربي، لم تعد الانتخابات مجرد محطة دستورية للتنافس بين البرامج والرؤى، بل تحولت في نظر كثير من المتابعين إلى موسم استقطابات حادة وتحركات محمومة تشبه سوق انتقالات اللاعبين في عالم كرة القدم. فكلما اقترب موعد الاستحقاقات التشريعية، ارتفعت وتيرة “الترحال السياسي”، واشتد التنافس على استقطاب الأعيان وأصحاب النفوذ والمال، حتى بات السؤال المطروح بإلحاح: هل انتهى زمن المناضل الحزبي لصالح المستثمر الانتخابي؟
    الانتخابات التشريعية المقبلة بالمغرب: هل انتصر المال على النضال؟
    مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة بالمغرب، يبدو المشهد السياسي أشبه بـ”ميركاتو” انتخابي مفتوح على كل الاحتمالات. أحزاب تتسابق لاستقطاب الأعيان، ووجوه سياسية تنتقل من حزب إلى آخر، وتزكيات انتخابية تثير الكثير من الجدل، وسط تساؤلات متزايدة حول مستقبل العمل الحزبي وجدوى النضال السياسي التقليدي.
    لقد كان الانخراط الحزبي، لعقود طويلة، يقوم على التدرج في المسؤوليات عبر مسار من الالتزام والتكوين والتأطير والممارسة الميدانية. وكان المناضل الحزبي يراكم تجربته داخل التنظيم، ويكتسب شرعيته من حضوره بين المواطنين ودفاعه عن قضاياهم. غير أن هذا النموذج يبدو اليوم في تراجع ملحوظ أمام صعود منطق جديد، قوامه القدرة على جلب الأصوات، بغض النظر عن الخلفية النضالية أو الكفاءة السياسية.
    أصبحت بعض الأحزاب، تحت ضغط المنافسة الانتخابية، تبحث عن المرشحين القادرين على ضمان المقاعد قبل البحث عن حاملي المشاريع والأفكار. وهنا يبرز دور الأعيان وأصحاب الثروة والنفوذ المحلي، الذين تحولوا إلى هدف رئيسي لعمليات الاستقطاب، في مشهد يهدد بتفريغ العمل السياسي من مضامينه النبيلة.
    ويزداد القلق حين تتردد اتهامات بوجود اختلالات في تدبير التزكيات، أو عندما يشعر المناضلون الذين أفنوا سنوات في خدمة أحزابهم بأنهم أصبحوا خارج دائرة الاهتمام، لصالح وافدين جدد يمتلكون المال أو شبكات النفوذ أو القدرة على التأثير الانتخابي.
    إن خطورة هذا التحول لا تكمن فقط في تغيير قواعد المنافسة السياسية، بل في تداعياته على ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة. فالناخب الذي يلاحظ غياب التمايز بين الأحزاب، وكثرة التنقلات الحزبية، وتغليب الاعتبارات الشخصية على البرامج، قد يفقد ثقته في جدوى المشاركة السياسية برمتها.
    في خضم هذه التحولات، يواجه الناخب المغربي سؤالاً جوهرياً: على أي أساس ينبغي أن يختار ممثليه؟ هل يصوت للحزب وبرنامجه؟ أم للمرشح وشخصيته؟ أم لمن يمتلك المال والنفوذ والقدرة على تقديم الخدمات؟ أم لمن تجمعه به روابط القرابة والانتماء المحلي؟
    في الديمقراطيات الراسخة، يشكل البرنامج السياسي والكفاءة والنزاهة أساس الاختيار. لكن عندما تتغلب العصبيات المحلية والاعتبارات المصلحية والقدرات المالية، فإن العملية الانتخابية تفقد جوهرها التمثيلي، وتتحول إلى منافسة غير متكافئة.
    ولا يمكن تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية هذا الواقع. فإصلاح الحياة السياسية مسؤولية جماعية تشمل الأحزاب والمؤسسات والإعلام والمجتمع المدني والناخبين أنفسهم. فالأحزاب مطالبة بإرساء ديمقراطية داخلية حقيقية، واعتماد معايير شفافة وواضحة لمنح التزكيات، وتعزيز التكوين السياسي، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة والنساء.
    كما أن تجديد النخب الحزبية أصبح ضرورة ملحة، لأن استمرار الزعامات نفسها لعقود طويلة يضعف التداول الداخلي ويؤدي إلى تكريس الولاءات الشخصية بدل ترسيخ المؤسسات الحزبية.
    إن بناء الوطن لا يتم عبر الولاءات الضيقة أو الحسابات الانتخابية قصيرة المدى، بل عبر ترسيخ ثقافة المسؤولية والمحاسبة والكفاءة والنزاهة. فالأوطان لا تبنى بالمال السياسي، ولا بالتبعية للأشخاص، بل بالإيمان الصادق بالمصلحة العامة والالتزام بقيم المواطنة.
    يبقى الأمل معقوداً على وعي الناخب المغربي، باعتباره الحلقة الحاسمة في معادلة التغيير. فصندوق الاقتراع ليس مجرد إجراء تقني، بل هو تعبير عن إرادة جماعية تحدد ملامح المستقبل.
    وحين يصبح التصويت مبنياً على البرامج والكفاءة والنزاهة، لا على المال والقرابة والنفوذ، يمكن للانتخابات أن تستعيد دورها الحقيقي كآلية لبناء الثقة وتجديد النخب وتعزيز الديمقراطية.
    يبقى الرهان الأكبر اليوم هو الانتقال من سياسة الأشخاص إلى سياسة المؤسسات، ومن منطق “من يملك القدرة على الفوز” إلى منطق “من يستحق تمثيل المواطنين”. فالديمقراطية لا تُقاس بعدد المقاعد، بل بمدى قدرتها على إنتاج نخب سياسية نزيهة وكفؤة وقادرة على خدمة الصالح العام.