بقلم :الدكتور مصطفى مستقيم
دخل مطرب إلى مسجد قريب من المسرح الذي كان يستعد لإحياء سهرته الفنية فوق خشبته وبعد أن أنهى صلاة العشاء فوجئ باختفاء حذائه ولم يجد أمامه سوى حل واحد حتى لا يتأخر عن موعد عرضه فانتعل نعلا بلاستيكيا بسيطا وجده قرب مكان الوضوء وربما كان هو نفسه نعل من سرق حذاءه
لم يكن الأمر غريبا فسرقة الأحذية من المساجد ظاهرة يعرفها الكثيرون لأن المصلين يكونون في لحظات خشوع وانشغال بعبادتهم ولا يعقل أن يكون قلب الإنسان مع الله وعقله مع مكان حذائه
توجه المطرب إلى المسرح ودخل مسرعا قبل لحظات قليلة من بداية العرض وصعد إلى الخشبة وسط تصفيق الجمهور ثم أعلن أن الأغنية التي سيقدمها الليلة عمل جديد يعرضه لأول مرة ويتمنى أن تنال إعجاب محبيه
بدأ في الغناء بكل إحساس وهو يحمل رسالة فنية تتحدث عن قضايا الناس وآمالهم في الحرية والعدالة لكن المفاجأة أن الجمهور لم يكن منشغلا بالكلمات ولا باللحن بل كان كل اهتمامه منصبا على النعل البلاستيكي الذي يزين قدميه
بدأت الهمسات تنتشر بين الحاضرين فهذا يعتقد أن المطرب يعيش أزمة مالية ولم يجد غير هذا النعل البسيط ليرتديه وذاك يرى أنه أراد صناعة ضجة إعلامية بطريقة مختلفة وآخرون اعتبروا الأمر حركة مقصودة لجذب الأنظار
حتى الصحافيون الذين حضروا لتغطية السهرة لم يهتموا بأداء الفنان ولا بالفرقة الموسيقية بل وجهوا عدساتهم نحو قدميه لالتقاط صور للنعل الذي أصبح فجأة أهم من الأغنية نفسها
وبعد نهاية العرض التف الجمهور حول المطرب يطلب صورا تذكارية معه لكن الغريب أن الجميع كان حريصا على أن يظهر النعل البلاستيكي في الصورة كأنه هو النجم الحقيقي وليس صاحب الصوت والأداء
شعر المطرب بالإرهاق وطلب من الجميع أن يسمحوا له بالمغادرة فقد أصبح عاجزا عن تحمل هذا الاهتمام الغريب وطلب من أحد أصدقائه أن يقود سيارته لأنه لم يعد قادرا على التركيز من شدة التعب والاستغراب
في صباح اليوم التالي تحول النعل البلاستيكي إلى حديث الساعة وتصدرت صوره الصفحات الأولى للجرائد وانتشرت أخباره في مواقع التواصل الاجتماعي حتى أصبح مادة للقنوات التي تسابقت لاستضافة المطرب من أجل الحديث عن النعل الشهير
انهالت الاتصالات على هاتفه من الصحافيين والمنابر الإعلامية وكلهم يريدون معرفة قصة النعل وكأنهم أمام حدث تاريخي غير مسبوق
قرر المطرب أن يسخر من هذا الهوس الجماعي فتوجه إلى السوق واشترى مجموعة من النعال البلاستيكية وأرسلها إلى بعض المنابر التي طلبت لقاءه وكتب على كل واحد منها عبارة ساخرة تقول ها أنا أمامكم مباشرة اسألوني عن النعل الشهير
لكنه اكتشف أن سخريته زادت من شهرة النعل بدل أن تنهي القصة فقد تحولت هذه القطعة البسيطة إلى موضة يتسابق الشباب لاقتناء مثلها وأصبح سعرها يرتفع يوما بعد يوم حتى عجز الكثيرون عن شرائها
وبينما كان المطرب يفكر في اعتزال الفن بسبب هذا العبث رن هاتفه مرة أخرى وهذه المرة كان الاتصال من شركة عالمية لصناعة الأحذية عرضت عليه إنتاج نعل بلاستيكي يحمل اسمه مقابل مبلغ مالي ضخم لم يكن يحلم به طوال مسيرته الفنية
وافق المطرب على العرض وانتشر النعل الذي يحمل اسمه في الأسواق العالمية وحقق نجاحا كبيرا
لكن الصحافة اتهمته بأنه تخلى عن فنه وباع جمهوره من أجل المال فرد قائلا
أنا لم أبع فني ولم أخن جمهوري أنا فقط اكتشفت أنكم منحتم قيمة لشيء لم يكن يعني شيئا وتركتكم تهملون ما يستحق الاهتمام واليوم بفضل هذا النعل الذي صنعتم منه قصة أصبحت أعيش حياة لم أكن أتوقعها
وهكذا أصبح النعل البلاستيكي شاهدا على زمن صار فيه الشكل أحيانا أقوى من المضمون والضجيج أكثر تأثيرا من الحقيقة





إرسال تعليق