قبل أن نسأل لماذا تبدو بعض المجتمعات أكثر تقدما منا

  • بتاريخ : يوليو 18, 2026 - 10:46 ص
  • الزيارات : 92
  • مجرد رأي

     

    قبل أن نسأل لماذا تبدو بعض المجتمعات أكثر تقدما منا علينا أن نتحلى بالشجاعة الكافية لطرح السؤال الحقيقي لماذا نجحوا بينما ما زلنا نحن ندور في الحلقة نفسها منذ عقود فالمشكلة ليست في نقص الإمكانات ولا في قلة الذكاء ولا في غياب التاريخ وإنما في طريقة التفكير وفي علاقتنا بالقانون وبالفضاء العام وبالمسؤولية الفردية

    يكفي أن يزور المرء إحدى دول أوروبا الشرقية حتى يكتشف أن السلوك المدني ليس شعارا يرفع في المناسبات ولا درسا يلقن في المدارس فقط بل هو أسلوب حياة يبدأ من احترام إشارة المرور والحفاظ على نظافة الشارع والالتزام بالطابور واحترام الوقت وصولا إلى تقديس المال العام والشعور بأن الوطن مسؤولية الجميع وليس مسؤولية الدولة وحدها

    أما عندنا فما زلنا نعيش مفارقة غريبة فالجميع يطالب بالإصلاح لكن القليل مستعد لأن يبدأ بإصلاح نفسه ننتقد الفساد ثم نبحث عن الوساطة عندما تمسنا المصلحة نستنكر الفوضى لكننا نساهم فيها كل يوم نتحدث عن المواطنة بينما نلقي الأزبال في الشوارع ونعتدي على الملك العام ونعتبر احترام القانون ضعفا لا قوة

    لقد اعتدنا تعليق فشلنا على شماعات جاهزة مرة على الاستعمار ومرة على الظروف ومرة على الحكومات ومرة على المؤامرات الخارجية حتى أصبح المبني للمجهول هو المسؤول الأول عن كل إخفاقاتنا بينما تغيب عنا حقيقة بسيطة وهي أن الأمم لا تتغير إلا عندما يقرر أفرادها تغيير سلوكهم قبل المطالبة بتغيير الآخرين

    ليس المقصود تمجيد الغرب ولا التقليل من شأن مجتمعاتنا فلكل أمة إيجابياتها وسلبياتها لكن الفارق أن هناك شعوبا حولت القانون إلى ثقافة وحولت النظام إلى عادة وحولت احترام الإنسان إلى قيمة يومية بينما ما زلنا نحن نناقش أبسط قواعد العيش المشترك وكأنها ترف فكري لا ضرورة حضارية

    إن أزمة مجتمعاتنا ليست أزمة نصوص ولا مؤسسات بقدر ما هي أزمة وعي فالقوانين يمكن سنها في أشهر لكن بناء الإنسان يحتاج سنوات من التربية الصادقة والقدوة الحسنة والمحاسبة الفعلية فلا يمكن أن نطالب بمجتمع متحضر بينما نربي أبناءنا على التحايل ونبرر التجاوزات ونعتبر احترام النظام استثناء لا قاعدة

    الرأي الذي يجب أن يقال اليوم دون مجاملة هو أن العطب ليس جديدا لكنه أيضا ليس قدرا محتوما وما دام الإنسان هو من صنع هذا الواقع فهو قادر على تغييره عندما يتوقف عن البحث الدائم عن المذنب خارج ذاته ويبدأ بمراجعة سلوكه اليومي لأن نهضة الأمم لا تبدأ من القصور ولا من خطابات السياسيين بل تبدأ من المواطن الذي يقتنع بأن احترام القانون والنظام والنظافة والحق العام هو أول عمل وطني حقيقي.