حين تعانق أسطورة هوميروس أرض المغرب.. «الأوديسة» تجعل من المملكة مسرحاً لملحمة كريستوفر نولان

  • الكاتب : سمير أشقر
  • بتاريخ : يوليو 28, 2026 - 10:15 م
  • الزيارات : 64
  • لم يكن اختيار المغرب لتصوير مشاهد من فيلم

     «The Odyssey –

    الأوديسة» مجرد قرار إنتاجي عابر، بل يبدو امتداداً طبيعياً لعلاقة طويلة بين السينما العالمية وهذه الأرض التي تختزن في تضاريسها شيئاً من الأسطورة، وفي قصباتها القديمة ذاكرة حضارات متعاقبة، وفي سواحلها وصحاريها فضاءات قادرة على تحويل الخيال السينمائي إلى واقع نابض بالحياة.

    ومع انتقال عدسات المخرج العالمي كريستوفر نولان إلى عدد من المواقع المغربية، وجد المغرب نفسه مرة أخرى في قلب واحدة من أكثر المشاريع السينمائية المنتظرة عالمياً؛ مشروع يستعيد ملحمة الأوديسة المنسوبة إلى الشاعر الإغريقي هوميروس، ويعيد تقديم رحلة أوديسيوس الطويلة والمليئة بالمخاطر والأساطير والصراعات، في معالجة سينمائية ضخمة يقودها واحد من أبرز مخرجي السينما المعاصرة.

    في قلب الجنوب المغربي، برزت آيت بن حدو، تلك القرية التاريخية المشيدة بالطين والتي أصبحت على مدى عقود واحدة من أشهر المواقع السينمائية في العالم. هذه المرة، لم تكن القصبة مجرد خلفية جميلة أمام الكاميرا، بل تحولت إلى فضاء يستحضر عالم طروادة، حيث تتقاطع الأسطورة مع العمارة المغربية القديمة، ويصبح المكان نفسه بطلاً صامتاً في الحكاية.

    وبالقرب من المحيط الأطلسي، حضرت الصويرة بدورها في هذا المشروع السينمائي العالمي. المدينة التي عُرفت عبر التاريخ بموقعها الاستراتيجي وانفتاحها على البحر، وجدت نفسها مرتبطة بصرياً بعالم «الأوديسة» ورحلاتها البحرية، مع تصوير مشاهد مرتبطة بحصان طروادة، في مشهد يلتقي فيه رمزان: البحر الذي حمل أبطال الأسطورة، والمغرب الذي ظل عبر التاريخ بوابة بين الحضارات والقارات.

    ولعل المفارقة الجميلة أن المغرب، الذي يقع جغرافياً بعيداً عن اليونان القديمة، استطاع أن يمنح ملحمة هوميروس فضاءات تبدو مقنعة على الشاشة. فبين جبال الأطلس، وقصبات الجنوب، وسواحل الأطلسي، تتعدد الوجوه الطبيعية للمملكة، بحيث يمكن للمخرج أن يجد في مساحة جغرافية واحدة ما يحتاج إليه لبناء عوالم سينمائية مختلفة.

    اختيار نولان للمغرب يحمل أيضاً دلالة تتجاوز الفيلم نفسه. فالمملكة لم تعد مجرد موقع تستقبل فيه الإنتاجات الأجنبية، بل أصبحت جزءاً من الخريطة العالمية للصناعة السينمائية، بفضل خبرة تراكمت على مدى عقود، وبنية تحتية متطورة، وفرق تقنية محلية راكمت تجربة واسعة في التعامل مع الإنتاجات الدولية الكبرى.

    ومن ورزازات، التي ارتبط اسمها لعقود بلقب «هوليوود إفريقيا»، إلى آيت بن حدو والصويرة ومواقع أخرى، تتواصل قصة المغرب مع السينما العالمية. قصة بدأت منذ سنوات طويلة، عندما اكتشف كبار المخرجين أن هذه البلاد قادرة على منح الصورة ما لا تستطيع الاستوديوهات وحدها أن تمنحه: الواقعية، والضوء، والعمق، وذاكرة المكان.

    وفي «الأوديسة»، يبدو أن العلاقة بين المغرب والسينما العالمية تأخذ بعداً جديداً. فالمملكة لا تؤدي دور «المكان البديل» فحسب، وإنما تقدم نفسها كأرض قادرة على احتضان الأسطورة وإعادة تشكيلها بصرياً. وبينما يخوض أوديسيوس رحلته الأسطورية بحثاً عن طريق العودة، تخوض السينما العالمية رحلة أخرى نحو المغرب، بحثاً عن المكان الذي يستطيع أن يمنح الخيال حياة جديدة.

    وهكذا، حين تفتح شاشة السينما أبوابها أمام عالم «الأوديسة»، قد لا يرى المشاهد المغربي بلاده في كل مشهد، لكنه سيرى دون شك شيئاً من روحها في تلك الجدران الطينية، وفي ضوء الشمس، وفي اتساع البحر، وفي تفاصيل المكان.

    إنه المغرب مرة أخرى، لا خلف الكاميرا فقط، بل داخل الحكاية.