الهجرة الجماعية: تحويل مآسي الشباب إلى مزايدات سياسية عوض اعتبارها جزء من واقع هو امتداد لسياسات الأمس

  • الكاتب : محمد اعويفية
  • بتاريخ : أغسطس 1, 2026 - 4:23 م
  • الزيارات : 56
  • المثير للاستغراب أن يخرج بعض المنتمين لحزب العدالة والتنمية اليوم ليتحدثوا عن الهجرة الجماعية نحو سبتة وكأن هذه الظاهرة ولدت كردة فعل مع الحكومة الحالية، أو كأن هذا الحزب بريء مما يقع مع أنه طوال العقد الماضي لم يكن في صفوف المعارضة بل كان في موقع القرار وصاحبه الأول . الديمقراطية تعطي الحق لأي حزب أن ينتقد كيف يشاء، لكن من واجبه أيضا أن يمارس قدرا من النقد الذاتي على نفسه و على سياساته ، لأن المصداقية لا تبنى بمثل هذا العمل الانتقائي الفج.

    لقد قاد حزب العدالة والتنمية الحكومة لعشر سنوات متتالية، وهي مدة طويلة وكافية ليس فقط لتشخيص الأعطاب ، بل لمعالجتها أيضا. فخلال تلك المرحلة، رفع بنكيران ومن معه شعارات الإصلاح ومحاربة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة، غير أن حصيلة التجربة ظلت محط نقاش واسع إلى اليوم، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي.

    فعلى المستوى الاقتصادي، لم يستطع حزب المصباح أن يحقق التحول الذي وعد به المغاربة ، واستمرت معضلة البطالة وتفاقمت ، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، واتسعت الفوارق الاجتماعية، بينما ظل النمو الاقتصادي عاجزا عن خلق فرص شغل كافية بسبب ضعف الاستثمارات، وسياسة عفى الله عما سلف.أما على المستوى الاجتماعي، فقد تعمق شعور فئات واسعة باليئس والإحباط، وبرزت احتجاجات كثيرة في عدد من القطاعات والمناطق عاكسة بذلك أزمة ثقة كبيرة بين المواطن والمؤسسات.

    أما سياسيا فقد ساهمت سنوات التدبير في تراجع الثقة في الفعل الحزبي برمته. فالكثير من الوعود التي بني عليها الخطاب السياسي للحزب الإسلامي اصطدمت بواقع الممارسة، وأصبح جزء مهم من الرأي العام يرى أن الفارق بين شعارات الحزب والنتائج كان كبيرا.

    ومن هذا المنطلق، فإن الحديث اليوم عن الهجرة الجماعية باعتبارها دليلا على فشل حكومة أخنوش، دون أي مراجعة للدور الذي لعبته عشر سنوات كاملة من السياسات السابقة في تشكيل هذا الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي نعيشه اليوم، يبدو خطابا انتقائيا أكثر منه تشخيصا وموضوعيا. فالهجرة عموما ليست وليدة سنة أو سنتين، بل هي نتيجة تراكمات امتدت لسنوات ولعقود من الزمن، شاركت في صناعتها حكومات متعاقبة ، وكان حزب العدالة والتنمية أحد أبرز الفاعلين فيها خلال عقد كامل من حكمه للبلاد.

    آلاف الشباب الذين نزحوا حفاة عراة نحو سبتة جانب كبير منهم أبناء تلك المرحلة . كثير منهم لم يستطع أن ينهي دراسته و القليل ممن أنهاها ولم يجد سبيلا ليدخل سوق الشغل ، واصطدم بواقع ضعف الفرص ، واستمرار البطالة، وضعف العدالة المجالية. لذلك، فإن محاولة إعفاء الذات التي يلجأ إليها المنتمون للحزب من أي مسؤولية تاريخية، وتحميل كل تبعات هذه الأزمة للحكومة الحالية، لا تساعد على فهم هذه الظاهرة ولا على إيجاد حلول ناجعة و فورية لها.

    النقد الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالمسؤولية قبل توجيه الاتهام إلى الآخرين. أما تحويل مآسي الشباب إلى مادة للمزايدة السياسية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، فلن يعيد الأمل لمن فقده، ولن يقنع المغاربة بأن من أخفق في تقديم الحلول خلال عشر سنوات، أصبح يمتلك اليوم وصفة سحرية لإنقاذ البلاد.

    قد يكون من حق حزب العدالة والتنمية أن يعارض، وأن ينتقد، وأن يطالب بالمحاسبة، لكن من حق المغاربة أيضا أن يسألوه: ماذا فعلت حين كانت بين يديك صلاحيات تدبير الشأن العام لعشر سنوات؟ وما الذي تحقق من وعود الإصلاح الكبرى التي وعدت الناس بها؟ فالنقد يكتسب قيمته عندما يسبقه نقد الذات، وعندما يتحلى أصحابه بالشجاعة الكافية للاعتراف بأن جزء من واقع اليوم هو امتداد لسياسات الأمس، وليس مجرد نتاج للحاضر وحده .