بقلم : نورالدين ضية
لم تعد الهجرة المغربية نحو أوروبا مجرد استجابة للفقر أو البطالة أو ضيق فرص الشغل، بل أصبحت ظاهرة اجتماعية وثقافية تتجاوز الحسابات الاقتصادية إلى عالم التمثلات والأحلام. فالرغبة في الرحيل لا تولد فقط من الحاجة، وإنما تتشكل داخل مخيال جماعي رسخته عقود من الهجرة، وعززته وسائل الإعلام والمنصات الرقمية.
فالعلاقة التاريخية بين المغرب وأوروبا، إلى جانب الامتداد العائلي للمغاربة المقيمين بالخارج، جعلت من أوروبا فضاء مألوفا في الوعي الجمعي، بينما ساهم الإعلام التقليدي ووسائل التواصل الاجتماعي في إعادة إنتاج هذه الصورة، عبر التركيز على قصص النجاح، ومستويات العيش المرتفعة، وأنماط الاستهلاك الحديثة، مقابل تغييب كثير من التحديات المرتبطة بالغربة، مثل صعوبة الاندماج، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضغوط العمل، والهشاشة القانونية.
وتتضاعف قوة هذا الخطاب مع عودة أفراد الجالية المغربية خلال فصل الصيف، حيث تتحول السيارات الأوروبية، والمنازل المشيدة بأموال التحويلات، ومظاهر الرفاه، إلى رسائل بصرية تعزز صورة الهجرة باعتبارها طريقا للنجاح الاجتماعي.
كما تلعب الخوارزميات الرقمية دورا متزايدا في تكريس هذا التصور، إذ يكفي أن يشاهد المستخدم مقطعا واحدا عن العمل أو الدراسة أو الهجرة، حتى يجد نفسه أمام سيل من المحتويات التي تجعل أوروبا تبدو الوجهة الطبيعية لتحقيق الطموح.
ولم يعد تأثير الهجرة يقتصر على الاقتصاد، بل امتد إلى الثقافة والحياة الأسرية، حيث أصبحت الإقامة في أوروبا تمنح صاحبها مكانة اجتماعية ورأسمالا رمزيا، ينعكس حتى على اختيارات الزواج ونظرة المجتمع إلى النجاح.
إن الهجرة المغربية اليوم هي نتاج تفاعل بين الواقع الاقتصادي والموروث التاريخي والإعلام الرقمي، حيث تتشابك الذاكرة العائلية مع الصور المتداولة عبر الشاشات لتجعل من أوروبا حلما جماعيا يتوارثه المغاربة جيلا بعد جيل.
وفي النهاية، يبدو أن قرار الهجرة يبدأ داخل المخيلة قبل أن يبدأ عند الحدود، فالإعلام لا يخلق حلم الرحيل من العدم، لكنه يضخم حضوره ويمنحه شرعية اجتماعية، حتى يصبح بالنسبة إلى كثير من الشباب أفقا طبيعيا لتحقيق مستقبل أفضل.





إرسال تعليق