بين إغراء “المرسوم 316” ووهم “المؤامرة الهجينة”: كيف فكّك الوعي المغربي السردية الإسبانية في أزمة سبتة؟
تفرض أزمة الهجرة غير النظامية المتصاعدة للشباب المغربي نحو مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين نقاشاً حاداً حول أبعادها الجيوسياسية والاجتماعية، خاصة بعد موجات التدفق البشري الجماعي غير المسبوقة التي سجلت ذروتها أواخر يوليوز و غشت 2026 . يأتي هذا المقال ليسلط الضوء على هذه الظاهرة عبر قراءة تحليلية تجمع بين التغطيات الإعلامية الميدانية والمنظور الحقوقي والإعلامي الإسباني، استناداً إلى ما تم تداوله في التقارير المصورة
•المشهد الميداني والردود القوية من خلال مباشر للدكتور عبد الفتاح نعوم وضيفيه كل من الأستاذ محمد الشمالي و السيد محمد الملقب بالطنجاوي الوجدي
في مواجهة البروباغندا الإعلامية التي تحاول بعض القنوات الإسبانية ترويجها لاستهداف صورة المغرب، برزت ردود فعل إعلامية وشبابية مغربية قوية كشفت زيف تلك الادعاءات.
* تفنيد المغالطات التاريخية: نجح شباب مغاربة (سي محمد الشمالي و السيد محمد الملقب بالطنجاوي الوجدي) في إحراج وسائل إعلام إسبانية في عقر دارها من خلال دحض السردية الاستعمارية بالدلائل التاريخية والجغرافية التي تؤكد مغربية الثغور المحتلة.
* تعرية الجهل المعرفي: كشفت الحوارات المباشرة ضعف إدراك فئات واسعة من الرأي العام والمسؤولين الإسبان بالخلفيات الجيوسياسية للمنطقة، وتحويل دفة النقاش من هجوم على المهاجرين إلى الدفاع عن واقع الاحتلال ذاته.
* الصمود الفكري: أظهرت التغطيات المباشرة وعياً كبيراً لدى الجيل الجديد في الدفاع عن قضاياه الوطنية برصانة معرفية أفقدت الطرف الآخر المبادرة التوجيهه في النقاش.
•مقاربة التناقض الداخلي والإنساني ( الأصوات الحقوقية والمنظمات )
على الجانب الآخر من الحدود، تتناول الأصوات الإسبانية والحقوقية المعتدلة الأزمة من زاوية إنسانية واجتماعية حرجة تضع المنظومة الأوروبية أمام المساءلة وركزت على التالي:
* الهجرة ليست حكراً على أحد: تذكر الرأي العام الإسباني بأن إسبانيا لم تكن دائماً بلداً مستقبِلاً للهجرة، بل كانت بالأمس القريب مصدراً رئيسياً لها.
* الهروب من الأزمات الاقتصادية والسياسية: تشير إلى أن الشعب الإسباني ذاق مرارة التهجير والنزوح الجماعي؛ فخلال العقود الماضية (خاصة أثناء فترة حكم فرانكو الحرجة والأزمات الاقتصادية الخانقة)، اضطر ملايين الإسبان إلى الهجرة سراً وعلناً نحو دول أمريكا اللاتينية (مثل الأرجنتين، فنزويلا، والمكسيك) ونحو دول أوروبا الغربية المزدهرة (مثل ألمانيا، فرنسا، وسويسرا) بحثاً عن لقمة العيش.
* مواجهة نفس النظرة النمطية: و كيف أن الإسبان واجهوا آنذاك في أوروبا نفس الأحكام المسبقة، وعانوا من وصمهم بـ”ناقلي الأمراض” أو “ناشري الجريمة”، وهو تماماً ما يمارسه اليمين المتطرف الإسباني اليوم ضد المهاجرين من شمال إفريقيا.
* أزمة استيعاب وضغوط سياسية: تعيش شوارع سبتة ومراكز الإيواء ضغطاً خانقاً بفعل تواجد آلاف القاصرين والمهاجرين غير المصحوبين بذويهم، وسط عجز حكومي محلي واضح عن توفير الرعاية القانونية والإنسانية المناسبة.
* تخبط مدريد وبروكسل: تشعل هذه الموجات خلافات حادة داخل فضاء الاتحاد الأوروبي، مما يهدد اتفاقية شنغن، ويكشف هشاشة التضامن بين الدول الأعضاء التي تكتفي بالدعوة إلى عسكرة الحدود بدلاً من تقديم حلول جذرية.
* معضلة الإعادة القسرية: تواجه السلطات الإسبانية انتقادات حقوقية لاذعة بسبب محاولات تسريع الترحيل دون احترام الكرامة الإنسانية والضمانات القانونية الدولية المنصوص عليها للمهاجرين وطالبي اللجوء
• الجذور البنيوية والوجه الاجتماعي لأحداث 2026
لا يمكن فصل موجات “الهروب الجماعي” سباحة أو تسلقاً عبر الفنيدق عن السياق السوسيو-اقتصادي الراهن:
* انسداد الأفق الداخلي: يرى المحللون الاجتماعيون أن ارتماء آلاف الشباب والأسر في البحر يعكس فجوة عميقة بين خطابات التنمية والواقع المعيشي المتسم بالبطالة وضعف القدرة الشرائية.
* سيكولوجية اليأس الموجه: تلعب رسائل التحريض المجهولة عبر منصات التواصل الاجتماعي دور الشرارة، لكنها تجد بيئة خصبة من الإحباط وفقدان الثقة في المؤسسات المحلية تحولها سريعاً إلى نزوح جماعي.
* الاستنفار المشترك: أسفرت الأحداث عن إنزال أمني مغربي غير مسبوق في الفنيدق لمحاصرة الشواطئ وإحباط العبور، مما يبرز حجم العبء الأمني الذي تتحمله السلطات لحماية الحدود المشتركة.
• التدقيق في القوانين والتشريعات (مقاربة الدكتور عبد الفتاح نعوم)
يركز الدكتور عبد الفتاح نعوم على تفكيك “الخلفية القانونية والتشريعية” الصادرة عن مدريد، كاشفاً أن جذور أزمة النزوح الجماعي والضغط على الثغور لم تكن مجرد صدفة، بل تحركها نصوص قانونية إسبانية محددة:
1. المرسوم الملكي الإسباني 316/2026:
* سياق النص: يوضح الدكتور نعوم أن هذا المرسوم الصادر في 14 أبريل 2026 جاء لتعديل المرسوم السابق رقم 1155/2024 (المتعلق باللائحة التنفيذية للقانون الأساسي 4/2000 الخاص بحقوق وحريات الأجانب وإدماجهم الاجتماعي في إسبانيا).
* مكمن الأزمة (عامل الجذب القانوني): أقر هذا المرسوم مقتضيات قانونية تمنح حق تسوية الأوضاع (Regularización) الاستثنائية للأجانب المتواجدين في وضعية غير نظامية قبل 1 يناير 2026.
* التحليل القانوني: يشير نعوم إلى أن الإعلان عن تسوية أوضاع ضخمة (استهدفت حوالي نصف مليون إلى مليون مستفيد محتمل) مثّل “عامل جذب قانوني واقتصادي” قوي. هذا الإجراء التشريعي الداخلي الإسباني أسيء فهمه أو تم استغلاله عبر منصات التواصل، ليتحول إلى شعلة حركت أحلام آلاف الشباب بالعبور الفوري، واوهمتهم أن أبواب التسوية القانونية فُتحت بالكامل.
2. التناقض مع المسطرة الحدودية السريعة (تعديلات غشت 2026):
* يدقق التحليل في التخبط التشريعي الإسباني؛ فبعد موجات العبور الجماعي في يوليوز وغشت، سارعت حكومة بيدرو سانشيز البرلمانية لإعداد مشاريع قوانين جديدة تفرض “مسطرة حدودية طارئة”.
* تمنح هذه التعديلات مكاتب الهجرة سلطة فحص الوافدين خلال 72 ساعة فقط، مع إمكانية الترحيل السريع أو الحسم في طلبات اللجوء خلال 12 أسبوعاً، وهو ما يتناقض جذرياً مع فلسفة الإدماج والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والطفل (بخصوص القاصرين).
• تفكيك النمطية الإسبانية (مقاربة الأستاذ الشمالي)
ينتقل الأستاذ الشمالي في تحليله الإعلامي والميداني إلى تشريح “النمطية الفكرية والإعلامية” التي يدار بها النقاش داخل إسبانيا، مبرزاً الآليات النفسية والسياسية التي توظفها النخب هناك:
• الاستعلاء والهروب التاريخي (سردية الأمر الواقع):
* يرصد الشمالي كيف يتعامل الوعي الجمعي والخطاب السياسي الإسباني بنمطية متعالية تتجاهل الجغرافيا والتاريخ المعاصر. فهم يعتبرون وجودهم في سبتة ومليلية “حقاً دستورياً إسبانياً غير قابل للنقاش”، ويصنفون المدينتين كحدود خارجية للاتحاد الأوروبي.
* هذه النمطية تتعمد إسقاط حقيقة أن السيادة الدولية لا تكتسب بالتقادم الزمني في القانون الدولي المعاصر، طالما أن الأصل هو الاستيلاء على الأرض بالقوة (مبدأ تصفية الاستعمار).
• صناعة “العدو الخارجي” و”التهديدات الهجينة”:
* يشير التحليل النمطي الإسباني إلى النزوع الدائم لتحميل الطرف الآخر (المغرب أو قوى خارجية) مسؤولية الفشل البنيوي في إدارة ملف الهجرة.
* تجلى ذلك نمطياً في تصريحات وزيرة الدفاع الإسبانية (مارغريتا روبليس) ووزير الخارجية (خوسيه مانويل ألباريس) في غشت 2026، حيث سارعا إلى الترويج لنظرية “التدخل الأجنبي”، واعتبرا موجات الشباب نتيجة “تهديدات هجينة” وحملات تضليلية تقودها شبكات روسية أو جهات رقمية (مثل إيلون ماسك) لزعزعة استقرار أوروبا.
* هذه النمطية تهدف سياسياً إلى الهروب من الاعتراف بأن الدافع الحقيقي للشباب هو دافع إنساني واقتصادي بل قد يكون تاريخي بحت، وأن المحفز الأساسي هو “قوانين الجذب الإسبانية” نفسها وثغرات التنمية الإقليمية، وليس مؤامرة جيوسياسية موجهة.
• نمطية “أمية اليمين” والتوظيف الحزبي:
* يبرز محمد الشمالي كيف يقع المواطن أو الإعلامي الإسباني (خاصة الموجه من تيار اليمين المتطرف كحزب “فوكس”) في فخ الجهل المعرفي بالتاريخ. فهم يمارسون خطاب الكراهية ضد المهاجرين متناسين تاريخ إسبانيا الطويل مع الهجرة نحو أمريكا وأوروبا، وهو ما يضع خطابهم في مأزق أخلاقي وتناقض قيمي صارخ أمام الأصوات الحقوقية المعتدلة داخل إسبانيا ذاتها.
• الموقف الرسمي الأوروبي؛ بين عسكرة الحدود والمأزق التضامني
في خضم هذا التلاطم التشريعي والسوسيولوجي، لم تقف المفوضية الأوروبية في بروكسل موقف المتفرج، بل جاء موقف الاتحاد الأوروبي الرسمي ليعكس عمق المعضلة البنيوية التي تعيشها القارة العجوز تجاه الثغور المحتلة:
* الدعم المالي والتقني الأمني: ينطلق الموقف الأوروبي الرسمي من تصنيف مدينتي سبتة ومليلية كـ”حدود خارجية مشتركة للاتحاد الأوروبي”. بناءً على ذلك، سارعت بروكسل إلى تقديم حزم دعم مالي إضافية لمدريد وتفعيل آليات الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس – Frontex)، لدعم عمليات المراقبة والرصد الحراري وضخ تمويلات استثنائية لإدارة مراكز الإيواء المكتظة.
* حتمية الشراكة الاستراتيجية مع المغرب: يدرك الاتحاد الأوروبي رسمياً أن أي مقاربة أحادية الجانب محكوم عليها بالفشل. لذا، جددت بروكسل تشديدها على أن المغرب شريك استراتيجي أساسي وحيوي لا غنى عنه في إدارة تدفقات الهجرة، معترفة بالجهود الأمنية الكبيرة والاستثنائية التي تبذلها القوات المغربية على الأرض لمنع اختراق السياجات، والدعوة إلى تعزيز الدعم المالي الأوروبي المباشر الموجه للرباط لتغطية كلفة هذا العبء الأمني المشترك.
* مأزق “الميثاق الجديد للهجرة واللجوء”: أثارت التعديلات الإسبانية الأخيرة (المسطرة الحدودية الطارئة لـ 72 ساعة) نقاشاً قانونياً صامتاً داخل ردهات الاتحاد الأوروبي؛ حيث تحاول المفوضية الموازنة بين تشجيع مدريد على ضبط حدودها، وبين التزام القارة بـ “الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء”، والذي يفرض معايير صارمة تمنع الترحيل الجماعي العشوائي وتلزم الدول باحترام حقوق القاصرين والتدقيق الإنساني في طلبات اللجوء، وهو ما وضع السياسة الإسبانية تحت المجهر الحقوقي الأوروبي.
•وأخيرا وليس آخرا وفي أفق الاسترجاع والامتداد التاريخي للسيادة المغربية
فأحداث الهجرة نحو الثغور المغربية المحتلة أواخر عام 2026 لا تقتصر على كونها أزمة عبور حدودي، أو جزء من المغامرة الشبابية، بل هي مرآة تعكس تداخل ملفات الحقوق، والاقتصاد، والسياسة السيادية. وبينما يثبت الشباب المغربي قدرته على مواجهة الإعلام الإسباني وتفنيد مغالطاته، وتكشف الأصوات الإسبانية المعتدلة تناقضات الذاكرة التاريخية لمدريد، يبقى الموقف الأوروبي متأرجحاً بين عسكرة الحدود والاعتراف بمركزية الشراكة مع المغرب.
وفي هذا السياق الجيوسياسي المركب، يفتح الدكتور عبد الفتاح نعوم أفقاً استشرافياً ممتداً من عمق الذاكرة الوطنية والتاريخ القانوني المعاصر؛ مؤكداً أن حتمية استرجاع المغرب لمدينتي سبتة ومليلية والجزر الجعفرية المحتلة هي مسألة وقت تخضع لمنطق التراكم الدبلوماسي والتاريخي. ويستحضر الدكتور نعوم في مقارنته نموذج إقليم سيدي إفني الذي تم استرجاعه رسمياً وبشكل كامل عام 1969 بفضل التعبئة السياسية والقانونية للمملكة، ومحاصرة السردية الاستعمارية الإسبانية دولياً.
هذا النصر الدبلوماسي لم يكن ليتأتى لولا الامتداد الروحي والكفاح المسلح الذي قادته انتفاضة قبائل آيت باعمران الباسلة (1957)، والتي شكلت ضربة قاسمة للاحتلال الإسباني في الجنوب، وجعلت من استمرار وجوده أمراً مستحيلاً ومكلفاً عسكرياً وسياسياً وسيادياً. وتأسيساً على هذا الإرث الباعمراني الناصع، يخلص التحليل إلى أن ثغور الشمال المحتلة تعيش اليوم نفس الاختناق البنيوي والسياسي؛ فموجات الهجرة، والتخبط التشريعي الإسباني، وضغط الواقع الجغرافي، كلها عوامل تؤكد أن السيرورة التاريخية تسير لصالح السيادة المغربية الكاملة، وأن “عقيدة الاحتلال” الأخيرة في شمال إفريقيا آيلة للزوال، تماماً كما طُويت صفحة سيدي إفني وطرفاية والساقية الحمراء ووادي الذهب، ليبقى الرهان الحقيقي هو تحويل هذا الضغط إلى قوة تفاوضية تنموية شاملة تعيد رسم الخارطة دون تفريط في الكرامة أو الأرض. كما أشار إلى غياب الإعلام الرسمي في تناول هذا الموضوع بطريقة تحليلية واعطاء الفرصة للقامات الكبرى من الدكاترة والباحثين والمؤرخين و كذا الشباب المغاربة فرصة الدفاع عن وطنهم ولو عبر الميكروفون (المدياع).
بقلم: منير الوحيدي.





إرسال تعليق