حين تتحول السياسة إلى سباق على المقاعد… من يحاسب الأحزاب على أثرها في حياة المواطن؟

  • بتاريخ : أغسطس 30, 2026 - 9:38 م
  • الزيارات : 299
  • حين تتحول السياسة إلى سباق على المقاعد… من يحاسب الأحزاب على أثرها في حياة المواطن؟

    بقلم: سمير أشقر

    من حق المواطن اليوم أن يسأل، بعيداً عن لغة الشعارات والمزايدات والملاسنات السياسية: ماذا قدمت الأحزاب فعلاً للمجتمع؟ وما هو البرنامج الذي يمكن قياس نتائجه ومحاسبة أصحابه عليه؟

    المشكلة، في نظري، ليست في غياب الأحزاب ولا في كثرة الخطابات السياسية، بل في غياب ثقافة البرنامج القابل للقياس. فما زلنا، في كثير من الأحيان، نعيش السياسة بمنطق الوعود العامة: سنوفر الشغل، سنحسن التعليم، سنطور الصحة، سنحارب الفساد، سنحقق العدالة الاجتماعية… عبارات جميلة، لكنها تبقى بلا قيمة حقيقية ما لم تتحول إلى أرقام وأهداف وآجال ومؤشرات واضحة.

    كم منصب شغل سيتم خلقه؟ وفي أي مدة؟

    كم ستنخفض نسبة الهدر المدرسي؟

    كيف ستتحسن جودة المستشفيات؟

    ما هو أثر السياسات على دخل المواطن وقدرته الشرائية؟

    من المسؤول عن التنفيذ؟

    وماذا سيحدث إذا لم تتحقق النتائج؟

    هذه هي الأسئلة التي تصنع الفرق بين برنامج سياسي حقيقي وبين خطاب انتخابي عابر.

    ومن هنا أجد نفسي أطرح سؤالاً أكبر على منظومتنا الحزبية: من من أحزابنا السياسية جعل أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة في أفق 2030 أساساً واضحاً لبرنامجه السياسي؟

    منذ سنة 2015، أصبح العالم يتحدث بلغة جديدة في التنمية. سبعة عشر هدفاً للتنمية المستدامة، و169 غاية محددة، تشمل الفقر والجوع والصحة والتعليم والمساواة والشغل والطاقة والماء والبيئة والعدالة والمؤسسات وغيرها من القضايا التي تمس حياة الإنسان بشكل مباشر.

    نحن اليوم في سنة 2026. أي أننا دخلنا المرحلة الأخيرة قبل الوصول إلى أفق 2030. لم يعد السؤال: ما هي أهداف التنمية المستدامة؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: أين وصلنا؟

    أين وصلنا في القضاء على الفقر؟

    أين وصلنا في تحسين التعليم؟

    أين وصلنا في ضمان صحة جيدة للجميع؟

    أين وصلنا في توفير العمل الكريم للشباب؟

    أين وصلنا في تقليص الفوارق؟

    أين وصلنا في حماية مواردنا الطبيعية؟

    وأين هو المواطن من كل هذه الأرقام والتقارير والاستراتيجيات؟

    لأن التنمية، في نهاية المطاف، ليست تقريراً يقدم في مؤتمر، ولا رقماً يضاف إلى وثيقة رسمية. التنمية الحقيقية هي أن يشعر بها المواطن في مدرسته ومستشفاه وشارعه وعمله ودخله وقدرته على العيش بكرامة.

    وهنا يكمن السؤال الذي يجب أن يحرج الأحزاب والحكومات معاً: لماذا لا تصبح أهداف التنمية المستدامة معياراً حقيقياً لتقييم البرامج السياسية؟

    لدينا نموذج عالمي واضح: 17 هدفاً، و169 غاية، ومؤشرات للقياس والمتابعة. فلماذا لا يقدم كل حزب برنامجاً يقول فيه بوضوح: هذه هي النقطة التي وجدنا فيها البلد، وهذه هي النتيجة التي نلتزم بالوصول إليها خلال خمس سنوات؟

    بدل أن يقول الحزب: «سنحسن التعليم»، فليقل كم سيخفض من الهدر المدرسي، وكم مؤسسة سيتم تأهيلها، وما هي المدة الزمنية والميزانية المرصودة.

    بدل أن يقول: «سنخلق فرص الشغل»، فليحدد عدد مناصب العمل، والقطاعات المستهدفة، والفئات المستفيدة، والجدول الزمني.

    وبدل أن يقول: «سنحسن الصحة»، فليقدم مؤشرات واضحة حول عدد الأطباء، وتقليص مدة الانتظار، وتجهيز المؤسسات الصحية، وتحسين الولوج إلى العلاج.

    السياسة ليست خطابة. السياسة مسؤولية، والمسؤولية لا يمكن أن تكون بلا محاسبة، والمحاسبة لا يمكن أن تكون بلا مؤشرات.

    لقد تعب المواطن من الوعود التي تنتهي بانتهاء الحملات الانتخابية، ومن المعارك الكلامية التي تملأ المنصات ووسائل التواصل الاجتماعي، بينما تبقى الأسئلة الحقيقية معلقة. كم من حزب يتصارع اليوم حول الماضي بدل أن يقدم تصوراً قابلاً للقياس للمستقبل؟ وكم من سياسي يرفع صوته في مواجهة خصمه، لكنه لا يقدم للمواطن رقماً واحداً يستطيع أن يحاسبه عليه بعد خمس سنوات؟

    نحن في حاجة إلى ثورة هادئة في طريقة ممارسة السياسة.

    نحتاج إلى الانتقال من سياسة المقاعد إلى سياسة الأثر.

    من سياسة الشعارات إلى سياسة النتائج.

    من المزايدات إلى التخطيط.

    ومن سؤال: «من سيفوز في الانتخابات؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «من يستطيع أن يغير حياة المواطن، وكيف سنقيس ذلك؟»

    قد يكون عدد المقاعد مهماً في اللعبة السياسية، لكن المواطن لا يعيش داخل البرلمان فقط. المواطن يعيش في الواقع اليومي، في ثمن الخبز، وفي جودة المدرسة، وفي سرير المستشفى، وفي فرصة العمل، وفي الطريق، وفي الماء، وفي كرامة العيش.

    لذلك فإن الحزب الذي يستحق ثقة المواطن ليس بالضرورة الحزب الأكثر صراخاً، ولا الأكثر حضوراً في الصراعات الإعلامية، بل الحزب الذي يملك الشجاعة ليقول: هذه أهدافنا، وهذه أرقامنا، وهذا أجلنا، وهذه ميزانيتنا، وهذه الطريقة التي يمكنكم أن تحاسبونا بها.

    لقد اقترب عام 2030، ولم يعد هناك وقت كافٍ للحديث الطويل.

    آن الأوان أن نسأل الأحزاب، بوضوح ودون مجاملة: ماذا حققتم؟ ماذا ستفعلون؟ وبأي أرقام يمكن أن نحاسبكم؟

    فالمواطن لم يعد بحاجة إلى مزيد من الخطب.

    المواطن يحتاج إلى أثر.

    والسياسة التي لا تترك أثراً إيجابياً ملموساً في حياة الناس، تبقى مجرد كلام… مهما كانت بلاغته.

    بقلم: سمير أشقر