كيف يستطيع بعض البرلمانيين أن يعودوا إلى قبة البرلمان مرة بعد أخرى، رغم أن حضورهم تحتها كان باهتا، وحصيلتهم في المدن التي يمثلونها لا تكاد ترى ؟
الحقيقة أن الفوز في الانتخابات لا يصنع دائما بالمردودية تحت قبة البرلمان، بل يبنى في أماكن أخرى ،في الولائم والمناسبات، وفي شبكات العلاقات الشخصية، وفي القدرة على الوصول إلى الناخب عند الحاجة، وفي توزيع الوعود، وفي استثمار نفوذ العائلة واسمها ودلالاته الرمزية والاجتماعية .
هناك برلماني قد لايسمع له صوت و يغيب عن النقاشات السياسية الجادة، ولا يعرف له موقف واضح من القضايا الكبرى، ولا يترك أثرا يوازي عدد السنوات التي قضاها نائبا، لكنه يظل حاضرا بقوة في المناسبات الاجتماعية. يعرف الناس، ويسأل عن أحوالهم، ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم، ويملك شبكة علاقات واسعة. وهنا تكمن المفارقة قد يكون ضعيفا كسياسي و كمشرع، لكنه قوي ككائن انتخابي.
كما أن ضعف الذاكرة الانتخابية يعتبر عاملا شديد الحساسية في حسم الانتخابات،
فالناخب لا يحاسب دائما مرشحه على حصيلته البرلمانية السابقة، كم سؤالا طرح؟ كم مقترحا تقدم به؟ ماذا فعل من أجل المدينة؟ ماذا تحقق من برنامجه و وعوده؟ وما الذي عارضه أو دافع عنه؟
بدلا من ذلك، قد تختزل العلاقة بين الناخب والبرلماني في خدمة شخصية، أو تدخل لحل مشكلة فردية، بهذه الطريقة يتحول النائب من ممثل للأمة إلى وسيط لقضاء الحاجات الصغيرة للمواطنين.
ولا يمكن أيضا تجاهل قوة المال في الانتخابات، حيث يستطيع بعض المرشحين تحويل الانتخابات إلى سوق للمصالح والوعود، فيصبح التنافس حول من يملك قدرة أكبر على الإنفاق والتأثير، لا حول من يملك برنامجا أفضل أو كفاءة أعلى.
أما الأحزاب، فتتحمل بدورها جزء كبيرا من المسؤولية عندما تعيد ترشيح الوجوه نفسها دون تقييم حقيقي للحصيلة. وكأن المقعد الانتخابي يصبح ملكية خاصة تنتقل من ولاية إلى أخرى، لا مسؤولية سياسية تستوجب المحاسبة والتجديد.
والأخطر من كل ذلك أن بعض المدن قد تعاني من ضعف التمثيل لسنوات، ومع ذلك يعاد انتخاب النائب نفسه. لا طرق تحسنت، ولا فرص الشغل تضاعفت، ولا استثمارات كبرى جاءت، ولا صوت المدينة أصبح أكثر حضورا في البرلمان، ومع ذلك تعود الوجوه نفسها وكأن شيئا لم يكن .
لكن الإنصاف يقتضي القول إن المسؤولية ليست على البرلماني وحده. الناخب شريك في صناعة المشهد. فإذا كان يختار بناء على القرابة أو الصداقة أو المصلحة الآنية، فلا ينبغي أن يتوقع بالضرورة برلمانا مختلفا وفعالا.
الانتخابات في جوهرها ليست مناسبة لتجديد الأشخاص فقط، بل فرصة لتجديد الثقة أو سحبها. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الناخب قبل أن يضع ورقته في الصندوق ليس من يعرفه؟ ومن ساعده؟ ومن ينتمي إلى حيه؟
بل ماذا فعل هذا المرشح عندما كان يملك السلطة؟ وماذا يستطيع أن يفعل عندما يعاد منحها إليه من جديد؟
فالمقعد البرلماني ليس جائزة على العلاقات الشخصية والاجتماعية، ولا مكافأة على المناسبات، وإنما كما قال ملك البلاد محمد السادس في ذكرى ثورة الملك والشعب 2015:” إن المواطن هو الأهم في العملية الإنتخابية،و إن التصويت ليس مجرد حق شخصي بل هو تفويض وأمانة عظمى لا تقبل المساواة لاختيار من ينوب عنه في تدبير الشأن العام”.
فإذا ظل الناخب يعيد انتخاب النائب نفسه دون أن يسأله عن حصيلته، فلا عجب أن يظل البرلمان يعيد إنتاج الوجوه نفسها، حتى وإن بقيت المدن تنتظر إلى الأبد حصتها من التنمية، وتنتظر معها نائبا لا يظهر سوى في موسم الانتخابات ويختفي.





إرسال تعليق