الإدارة التربوية, قلب المدرسة النابض وأفق الإصلاح
الاعلامي الحسن ولدالمسكين/مدير تحرير مجموعة النهضة الدولية.
لا يمكن لأي حديث عن إصلاح المدرسة المغربية أن يتجاهل مكونا مركزيا اسمه الإدارة التربوية. فهي ليست مجرد غرفة تُستقبل فيها المراسلات وتُوقع فيها الشواهد. هي العقل المدبر الذي يخطط، والقلب النابض الذي يضخ الحياة في شرايين المؤسسة. ومع تنزيل مقتضيات القانون الإطار 51.17 وخارطة الطريق 2022-2026، أصبح من الواضح أن الحديث عن مستقبل المدرسة هو في العمق حديث عن مستقبل الإدارة التربوية ودورها.

لقد تغير مفهوم الإدارة التربوية جذريا في السنوات الأخيرة. انتقلنا من صورة المدير “كاتب المراسلات والتقارير” ومن الحارس العام “ضابط الغياب ومنظم الساحة” إلى صورة القائد التربوي.
اليوم لم يعد المطلوب فقط تدبير الموارد المادية، بل صار المطلوب قيادة مشروع بيداغوجي داخل المؤسسة. المدير اليوم مطالب بأن يكون مؤطرا للأساتذة، ومحللا لنتائج التلاميذ، ومشرفا على خطط الدعم والمعالجة، وبنفس الوقت وسيطا اجتماعيا يحل النزاعات ويفتح المدرسة على محيطها. باختصار، أصبحت مسؤولية الإدارة التربوية تمتد مباشرة إلى داخل القسم، إلى جودة التعلمات، وليس فقط إلى نظافة الساحة وانضباط التلاميذ.
لكن هذا التحول في الأدوار يصطدم بواقع مليء بالإكراهات. أول هذه الإكراهات هو تضخم المهام وتعددها بشكل خانق. يجد الإطار الإداري نفسه ممزقا بين التدبير المالي والمادي، وتتبع غياب الأساتذة والتلاميذ، ومعالجة المشاكل السلوكية اليومية، والتنسيق مع جمعية الآباء والشركاء، والرد على سيل المراسلات المستعجلة. في خضم هذا الكم الهائل، يضيع الوقت المخصص لجوهر المهمة وهو التتبع البيداغوجي وقيادة الفريق التربوي.
الإكراه الثاني هو ضعف التأطير والتكوين. أغلب الأطر الإدارية وجدت نفسها في المسؤولية بالممارسة والتجربة، في غياب مسلك تكوين أساسي قوي يؤهلها، وفي غياب تكوين مستمر يواكب مستجدات التشريع والرقمنة وتدبير المشاريع. كيف نطلب من مدير أن يقود التغيير وهو لم يتلق أدوات القيادة أصلا؟
أما الإكراه الثالث فهو غياب الاعتراف والتحفيز. فالإدارة التربوية من أكثر المهن استنزافا وضغطا، ومع ذلك لا تزال تعاني من غموض في المسار المهني، ومن إلقاء كل أعباء فشل المنظومة على عاتقها، دون توفير الحماية القانونية والاعتبار المعنوي اللازمين.
أمام هذه الوضعية، نسأل .. ما هي آفاق النهوض بهذا المكون الحاسم؟ لا بد من ثلاثة مداخل متكاملة. أولها مدخل التكوين والتأهيل. لا جودة بدون كفاءة، ولا كفاءة بدون تكوين مستمر في مجالات القيادة والتواصل وتدبير النزاعات والإدارة الرقمية. المدير الذي نريده لمدارس القرن 21 يحتاج لأدوات القرن 21.
المدخل الثاني هو مدخل الاستقلالية وتفويض الصلاحيات. مدرسة ناجحة هي مدرسة لها مشروعها الخاص وتدبر مواردها بحرية. يجب أن تتحول “استقلالية المؤسسات” من شعار في المذكرات إلى ممارسة يومية، مع ربط ذلك بمنطق المحاسبة على النتائج.
والمدخل الثالث هو الاعتراف. اعتراف مادي من خلال تعويضات تليق بحجم المسؤولية، واعتراف معنوي من خلال مسار مهني واضح ومحفز. الإطار الذي يشعر بقيمته وبأن مجهوده مقدر، هو وحده القادر على الإبداع والعطاء.
في الختام، يمكن القول إن أي إصلاح يريد النجاح ويتجاهل الإدارة التربوية محكوم عليه بالفشل. الأستاذ يدرس والتلميذ يتعلم، لكن الإدارة هي التي توفر المناخ والشروط والرؤية لكي يحدث ذلك. الإدارة التربوية ليست عبئا على المدرسة، بل هي الحل. هي الجسر الهش أحيانا والقوي أحيانا أخرى بين السياسة التربوية الكبرى والواقع اليومي للقسم. والرهان الحقي اليوم هو أن نحول مديرينا وحراسنا العامين من مجرد “مسيري أزمات” إلى “قادة تغيير”. فبقدر ما نقوي هذا القلب، بقدر ما ينبض جسد المدرسة بالحياة.





إرسال تعليق