نعم صديقي فرغم ما ظهر من بوادر لثورة ياسمين جديدة إلا أن الربيع العربي لن يتكرر مرة أخرى، على الأقل في الوقت الراهن ،ليس لأن الشعوب نسيت معنى الحرية، ولا لأنها أصبحت راضية كليا عن أوضاعها، بل لأنها خرجت من التجربة الأولى مثقلة بالخسائر، فاقدة للثقة، ومقتنعة بأن إسقاط الرؤوس المعمرة أسهل بكثير من بناء بديل يكون أحسن لها، و لنا في ليبيا ،تونس،مصر، العراق ،وسوريا نموذجا.
لقد اكتشف المواطن العربي أن الثورة ليست نهاية الطريق، بل بدايته. فحين سقطت بعض الأنظمة ، لم تسقط معها ثقافة الاستبداد، ولم يختف الفساد، ولم تبن مؤسسات قوية تحمي الدولة من الفوضى والعبث لحد الساعة. في خضم هذا الفراغ الذي ظهر ، تنافست الأحزاب، و تقاتلت الطوائف وتصارعت الأيديولوجيات فيما بينها، وتدخلت القوى الخارجية، فضاع الوطن بين من أراد السلطة ومن أراد النفوذ.
الحقيقة المؤلمة أكثر أن النخب السياسية تتحمل نصيبا كبيرا من المسؤولية. فقد رفعت شعارات كبيرة و فضفاضة عن الديمقراطية والعدالة، لكنها عندما اقتربت من السلطة انشغلت بحساباتها الشخصية والحزبية، وعجزت عن بناء توافقات وطنية تحمي الدولة وتحقق مطالب الشعوب . لقد أثبت كثير منها أنه كان بارعا في معارضة السلطة، لكنه لم يكن مستعدا لتحمل مسؤولية التغيير الحقيقي عندما استلمها (تونس ومصر مثلا) وأناس آخرين غيرهما في أوطان أخرى.
في الجهة المقابلة، لم تكتف الأنظمة التي سقطت أو كادت باستعادة زمام المبادرة، بل عملت على إغلاق كل المنافذ التي يمكن أن تعيد إنتاج نفس مشاهد عام 2011. فأصبحت أدوات الرقابة أكثر تطورا وصرامة، وأصبحت إدارة الأزمات أكثر سرعة في التدخل، وأصبح الاحتجاج يواجه بعوائق أكبر وأحكام أغلض من أي وقت مضى.
لكن أخطر ما خلفه الربيع العربي هو الانهيار الكلي للثقة، فالشعوب لم تعد تثق في الأحزاب السياسية التي تحكم ولا التي تكون في المعارضة، ولم تعد تثق في الشعارات التي ترفع باسمها . هذا الفراغ في الثقة هو أكبر انتصار للوضع القائم، لأنه يجعل الناس يختارون الصمت ويجنحون إليه، لا اقتناعا، بل تسليما و يأسا من جدوى التغيير.
مع ذلك، من يعتقد بأن صفحة الربيع العربي طويت نهائيا قد يكون وهما. فالتاريخ لا ينتهي هكذا، والشعوب أبدا لا توقف سعيها وبحثها عن الكرامة والعدالة. ما دامت ” بذور الياسمين بين شقوق الأرض باقية” وأسباب الغضب نفسها قائمة، فإن احتمالات الاحتجاج ستظل موجودة، وإن اختلفت أشكالها ووسائلها.
الدرس الأكبر ليس في أن الشعوب أخطأت عندما طالبت بحقوقها، بل أن التغيير يحتاج إلى شيء أكثر من الغضب، وأكثر من الحشود التي تخرج إلى الساحات الكبرى ، وأكثر من الشعارات التي تصدح بها الحناجر في الشوارع. يحتاج إلى نضج أكبر وإلى مشروع وطني مشترك، و قيادات تمتلك الكفاءة والنزاهة، وإلى ثقافة تؤمن بأن الوطن بثوابته الأساسية أكبر من أي حزب، وأن الدولة أكبر من أي شخص حتى لوكان زعيم حزب بقاعدة كبيرة .
الربيع العربي لم يمت، لكنه فقد طهره وبراءته. وإذا عاد يوما ، فلن يعود بالوجوه نفسها، ولا بالشعارات نفسها، بل سيولد من رحم تجربة قاسية علمت الشعوب العربية أن بناء دولة ديمقراطية عادلة في بلدانهم هو التحدي الحقيقي أمامها.





إرسال تعليق