بقلم: دكتور عصام أعمر
في زمن كانت فيه الحياة بسيطة، والخبز يُخبز في الخيام والمنازل، وكانت تفاصيل اليوميات تصنع أجمل الحكايات، بقيت الذاكرة الشعبية المغربية شاهدة على مواقف طريفة يتناقلها الناس جيلاً بعد جيل.
ومن بين هذه الحكايات الطريفة، قصة يرويها الصديق عبد الكبير المنصوري، عن رجل كان سارحاً مع بهائمه، وحين تأخر عنه وقت الغداء، عاد إلى الخيمة، فوجد والدته، رحمها الله، تخبز.
ناولته والدته خبزة ساخنة وقالت له أن يأخذها ويعود إلى بهائمه. أخذ الرجل الخبزة، ووضعها تحت «طابݣُه»؛ أي تحت إبطه، وانطلق عائداً إلى المرعى.
وبعد أن قطع مسافة تقارب 600 متر، وصل إلى طرف الدوار، فأدخل يده تحت إبطه بحثاً عن الخبزة، لكنه لم يجدها!
اعتقد الرجل أن الخبزة سقطت منه في الطريق، فعاد يتتبع أثره إلى أن وصل إلى الخيمة.
استغربت والدته عودته وسألته:
«آتا مالك رجعتي؟»
فأجابها بأنه يبحث عن الخبزة التي أعطته إياها، لأنها، حسب اعتقاده، سقطت منه في الطريق.
فردت عليه والدته باستغراب:
«غَا تمشي عند البهايم ولا ما غادي يعجبك حال.. آتا غادا تطيح ليك خبزة؟»
المفارقة أن الرجل كان قد أكل الخبزة كاملة خلال الطريق، لكنه نسي ذلك تماماً، وظل مقتنعاً بأنها سقطت منه!
وهكذا أكل الرجل خبزة ساخنة في مسافة لا تتجاوز 600 متر، لكنها لم تشبعه، حتى ظن أن الخبزة ضاعت منه وعاد يبحث عنها!
ورغم بساطة الحكاية، فإنها تختزل جانباً من روح الدعابة التي ميزت الحياة الشعبية قديماً، حيث كانت المواقف اليومية العادية تتحول إلى قصص يتندر بها الناس، وتبقى حاضرة في الذاكرة مهما مرت السنوات.
إنها حكاية من زمن كانت فيه الخبزة الساخنة، والخيمة، والمرعى، والوالدة تصنع تفاصيل الحياة، وكانت الضحكة الصادقة تأتي من أبسط المواقف.
رحم الله والدة صاحب الحكاية، ورحم الله جميع أموات المسلمين.





إرسال تعليق