دور الشباب بالمغرب .. بين السياسات الممنهجة والواقع المعاش
مجموعة النهضة الدولية | ملفات وتحقيقات
تحقيق: [الإعلامي الحسن ولدالمسكين ]
قبل 68 سنة صدر الظهير الشريف المنظم لدور الشباب بالمغرب، وكانت الغاية معلنة بوضوح. إنشاء فضاءات عمومية للتأطير والتربية والتكوين، واحتضان مجموعة طاقات الشباب وتوجيهها بعيدا عن مخاطر الشارع.

اليوم ونحن في سنة 2026، ومع تجاوز نسبة الشباب 30% من مجموع سكان المغرب حسب آخر إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط، يعود السؤال ليطرح نفسه بإلحاح أكبر.. ماذا تبقى من تلك الرؤية التأسيسية؟ وأين وصلت تجربة سبعة عقود من العمل داخل هذه المؤسسات التي كان يفترض أن تكون مشتل للكفاءات؟
للإجابة عن هذا السؤال كان لابد من وضع السياسات الممنهجة التي أعلنتها الدولة في كفة، ووضع الواقع المعاش الذي يلمسه الشباب يوميا في الكفة الأخرى. وبين الكفتين توجد فجوة تتسع سنة بعد أخرى، وتحول المؤسسة التي كان يفترض أن تكون حاضنة للمستقبل إلى جدران صامتة يمر بجانبها الجميع دون أن يلتفت إليها.
على مستوى السياسات، لا يمكن إنكار وجود إرادة سياسية واضحة خلال السنوات الأخيرة. دستور 2011 فرد فصلا كاملا لمشاركة الشباب في الحياة العامة، وجعل من تمكينهم أولوية وطنية. وفي سنة 2022 تم إطلاق السياسة العمومية المندمجة للشباب 2022- 2030 كأول وثيقة استراتيجية شاملة في تاريخ المغرب تهتم بالشباب بشكل مباشر. وجاءت بعدها البرامج التنفيذية تباعا. برنامج الجيل الجديد الذي يستهدف تأهيل 300 دار شباب على المستوى الوطني بمعايير حديثة تشمل البنية التحتية والتجهيزات. وبرنامج الرقمنة الذي يهدف إلى تجهيز 180 مؤسسة بالحواسيب والأنترنيت عالي الصبيب. إلى جانب برامج دعم الجمعيات الشبابية، وبرامج المقاولاتية ، والمخيمات الصيفية، والتبادل الشبابي.
الخطاب الرسمي يتحدث بلغة طموحة عن تجويد العرض وتحديث الحكامة والانفتاح على الشركاء. وتؤكد وزارة الشباب والثقافة والتواصل في كل مناسبة أن دور الشباب هي ورش مفتوح وأنها بصدد مراجعة شاملة لاختصاصاتها ومهامها. على الورق، كل شيء منظم. هناك استراتيجية وأهداف ومؤشرات وجداول زمنية وميزانيات مرصودة. لكن المشكل لم يكن يوما في غياب الأوراق والخطط. المشكل يبدأ حين ننزل من الورق إلى الأرض، وحين ندفع باب دار الشباب لنسأل عن الواقع المعاش.
دراسة ميدانية أنجزتها ” مجموعة النهضة الدولية” خلال بداية سنة 2026 شملت عينة لا باس بها من شباب المملكة تتراوح أعمارهم بين 16 و30 سنة من ست جهات في المغرب، بالإضافة إلى 10 مقابلات معمقة مع أطر تربوية، كشفت عن أرقام صادمة. 60% من الشباب المستجوبين أكدوا أنهم لا يرتادون دور الشباب نهائيا. وعند سؤالهم عن الأسباب، جاءت الإجابة الأولى بنسبة 45% وهي أن العرض المقدم لا يلبي تطلعاتهم. 30% أشاروا إلى ضعف البنية التحتية وغياب التجهيزات. و15% قالوا ببساطة أنهم لا يعرفون حتى أين توجد دار الشباب في مدينتهم او اقليمهم .الرقم في حد ذاته مقلق، لكن الأخطر هو دلالته. نحن نتحدث عن جيل يعيش على إيقاع الذكاء الاصطناعي والبرمجة والتسويق الرقمي والمقاولاتية وصناعة المحتوى. جيل يبحث عن مهارات المستقبل وعن فضاءات للإبداع وعن فرص حقيقية. وعندما يدخل إلى دار الشباب يجد طاولات وكراسي قديمة ، وأجهزة بالية مع تشققات واعطاب على مستوى الكهرباء والمرافق الصحية وووو، النتيجة منطقية وطبيعية. يغلق الباب ويخرج ولا يعود.
شهادات الأطر التربوية التي جمعتها “مجموعة النهضة الدولية” كانت أكثر قسوة. أحد الأطر بإحدى المدن المتوسطة قال لنا بحسرة كبيرة “أنا أؤطرأكثر من 400 شاب وطفل سنويا لوحدي، وبدون ميزانية مرصودة “، إطار آخر قال “نحن ننتظر من يجود علينا بالأدوات المكتبية ومواد النظافة من المرتفقين لتدبير المرفق”. هذه الشهادات تكشف عن حجم الاختناق الذي تعيشه المؤسسة وعن البيروقراطية التي تقتل أي مبادرة قبل أن تولد .
في عدد من المدن المتوسطة والصغرى، يتكرر نفس المشهد. مؤسسة واحدة في الإقليم تعاني من ثلاث مشاكل بنيوية متداخلة. أولها نقص حاد في الأطر التربوية مما يجعل من المستحيل تغطية مختلف الأنشطة { اطار واحد يشغل 03 مهام رئيسية : مدير.. حارس ومنظف } ثانيها غياب التجهيزات الرقمية الأساسية في زمن أصبحت فيه الرقمنة شرطا للبقاء. ثالثها صورة نمطية راسخة في أذهان الشباب على أن دار الشباب هي مكان للأطفال الصغار وليس للشباب الباحث عن التكوين والفرص.
شابة التقيناها قالت جملة تلخص كل شيء “دخلت مرة واحدة، شعرت بالملل وخرجت ولم أعد”.إذا كان الواقع بهذا الشكل، فأين يكمن الخلل؟ تشخيصنا يقود إلى أربعة أعطاب بنيوية.
- العطب الأول هو مركزية القرار. رغم كل الحديث عن الجهوية المتقدمة، لا تزال كل القرارات المالية والبرامجية مركزية. المدير الإقليمي لا يملك أي هامش للمناورة.
- العطب الثاني هو غياب ثقافة التقييم. أطلقت عشرات البرامج في خمس سنوات، لكن لا أحد سأل سؤالا بسيطا. كم شاب استفاد؟ وما هو الأثر الحقي على الأرض؟ لا توجد مؤشرات قياس واضحة. ننفق ثم ننتقل إلى البرنامج الموالي دون محاسبة.
- العطب الثالث هو ضعف التمويل. الميزانية المخصصة لقطاع الشباب لا تتجاوز 1.1% من الميزانية العامة للدولة، والأخطر أن 80% من هذه الميزانية تذهب للأجور. ما يبقى للتأهيل والأنشطة والتجهيز لا يكفي لتغطية 10% من الحاجيات الحقيقية. كيف يمكن أن نتحدث عن تأهيل 750 مؤسسة بميزانية لا تكفي لتأهيل عشرين مؤسسة.
- العطب الرابع هو أزمة الصورة والتواصل. دار الشباب في مخيلة الشباب هي مكان كلاسيكي وممل. وفي المقابل استطاعت الفضاءات الخاصة ومراكز التكوين استقطاب الشباب لأنها تتحدث لغتهم وتقدم لهم ما يحتاجونه فعلا
إذن الحل ليس في اختراع خطط جديدة أو في إطلاق شعارات أكبر،الحل في شجاعة التنزيل وفي الجرأة على مراجعة النموذج كاملا.
- أول خطوة يجب أن تكون إحداث صندوق وطني مستقل لتأهيل دور الشباب بتمويل مشترك بين الدولة والجماعات الترابية والقطاع الخاص، لضمان تأهيل 100 دار سنويا بمعايير موحدة.
- الخطوة الثانية هي إعادة هندسة العرض بالكامل. إغلاق الورشات التقليدية التي لم يعد لها أي طلب، وفتح ورشات جديدة في الذكاء الاصطناعي والبرمجة والمقاولاتية الاجتماعية والاقتصاد الإبداعي وتعلم اللغات.
- الخطوة الثالثة هي منح استقلالية مالية وإدارية حقيقية للمديريات الإقليمية، فالمسؤول المحلي أدرى بحاجيات شباب منطقته من أي مسؤول في الإدارة المركزية.
- والخطوة الرابعة هي إطلاق حملة وطنية لإعادة تسويق دار الشباب. تغيير الاسم والشعار والديكور وطريقة التواصل. الشباب اليوم لا يدخل لمكان يبدو قديما أو تقليديا.
خلاصة القول أن المغرب لا يعاني من أزمة شباب. المغرب يعاني من أزمة في طريقة تعامله مع الشباب. السياسات الممنهجة موجودة والنية موجودة والخطط موجودة. لكن بدون تمويل حقي، وبدون تفويض للفاعلين المحليين، وبدون الإصغاء الحقي لصوت الشباب، ستبقى دور الشباب مجرد أرقام في تقارير سنوية.الشباب اليوم لا يطلب صدقة ولا يطلب وعودا جديدة على الورق. يطلب فضاء يحترم عقله ويطور مهاراته ويمنحه فرصة حقيقية. يطلب ببساطة مفتاح الباب. وإلى أن نمنحهم هذا المفتاح، ستظل 750 مؤسسة تنتظر، وملايين الشباب يبحثون عن مستقبلهم في مكان آخر.





إرسال تعليق