انتخابات بلا أثر؟ المواطن بين قوة الصوت وحدود التمثيلية

  • بتاريخ : سبتمبر 16, 2026 - 1:58 م
  • الزيارات : 340
  • بقلم سمير أشقر

    مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يعود سؤال ظل حاضراً في الشارع المغربي، لكنه نادراً ما يُطرح بالحدة الكافية: ما جدوى الانتخابات بالنسبة للمواطن؟

    السؤال ليس عن يوم الاقتراع فقط، ولا عن أسماء المرشحين ولا عن الحملات الانتخابية التي تملأ الفضاء العام. السؤال الحقيقي يبدأ بعد إعلان النتائج: ماذا سيتغير في حياة المواطن؟ وماذا سيأخذ معه من صندوق الاقتراع إلى واقعه اليومي؟

    الانتخابات في جوهرها ليست مجرد عملية تقنية لاختيار أعضاء مجلس النواب. إنها وسيلة لتحويل إرادة المواطنين إلى تمثيلية داخل المؤسسات، ومنح المنتخب مسؤولية الدفاع عن قضايا من وضعوا ثقتهم فيه.

    لكن بين «الصوت» و«المقعد» توجد منظومة انتخابية كاملة، ومن بينها القاسم الانتخابي الذي أصبح واحداً من أكثر عناصر العملية الانتخابية إثارة للنقاش.

    فالقاسم الانتخابي يحدد، إلى جانب باقي قواعد النظام الانتخابي، كيفية تحويل الأصوات التي تحصل عليها اللوائح إلى مقاعد. ومع اعتماد احتساب القاسم على أساس عدد الناخبين المسجلين في الدائرة، وليس فقط الأصوات الصحيحة المعبر عنها، أصبح من المشروع أن يتساءل المواطن: هل الطريقة التي تُوزع بها المقاعد تعكس فعلاً حجم الأصوات التي حصلت عليها كل لائحة؟

    السؤال هنا ليس دعوة إلى تبني موقف معين، وإنما دعوة إلى فهم ما يحدث داخل صندوق الاقتراع وبعده.

    فالمواطن يصوت، ثم تبدأ الحسابات.

    عدد المسجلين، عدد المشاركين، الأصوات الصحيحة، عدد الأصوات التي حصلت عليها كل لائحة، القاسم الانتخابي، ثم توزيع المقاعد وفق القواعد المعتمدة.

    وفي النهاية، قد يجد المواطن نفسه أمام خريطة برلمانية تختلف في تفاصيلها عن الصورة التي كان يتخيلها وهو يضع صوته في الصندوق.

    وهنا لا ينبغي أن ينتهي النقاش عند القاسم الانتخابي.

    لأن المشكلة الأكبر، وربما الأعمق، هي ماذا يحدث بعد الانتخابات؟

    في كل دائرة انتخابية هناك وعود كثيرة قبل الاقتراع، لكن المواطن لا يعيش على الوعود. المواطن يعيش في مدينة وقرية وحي، ويواجه مشاكل محددة: النقل، الصحة، التعليم، التشغيل، الاستثمار، البنية التحتية، الإدارة، المشاريع المتعثرة، والخدمات التي ينتظرها منذ سنوات.

    ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى كل مرشح لا يجب أن يكون فقط: ماذا ستفعل إذا فزت؟

    بل أيضاً: ماذا فعل المنتخبون الذين سبقوك؟

    ما الملفات التي دافعوا عنها؟

    ما الأسئلة التي طرحوها؟

    ما القضايا التي أوصلوها إلى المؤسسة التشريعية؟

    وما الذي تحقق فعلاً خلال الولاية السابقة؟

    هنا بالضبط تتحول الانتخابات من موسم انتخابي إلى امتحان للمسؤولية.

    فالمنتخب لا يحصل على حصانة من الأسئلة بمجرد فوزه، والمواطن لا يفقد حقه في المحاسبة بمجرد إعلان النتائج.

    بل إن إعلان النتائج هو بداية مرحلة جديدة.

    مرحلة يصبح فيها المنتخب مطالباً بأن يشرح للناس ماذا يفعل، وأن يتواصل معهم، وأن يدافع عن القضايا التي انتُخب من أجلها، وأن يقدم حصيلة يمكن للناس مناقشتها وتقييمها.

    وفي المقابل، لا يمكن تحميل البرلمان أو المنتخبين وحدهم مسؤولية كل المشاكل. هناك اختصاصات للحكومة، وأخرى للجماعات الترابية، ومؤسسات وإدارات متعددة تتدخل في تنفيذ المشاريع والسياسات العمومية.

    لكن المواطن من حقه أن يعرف أين تبدأ مسؤولية المنتخب وأين تنتهي.

    ومن حقه أيضاً أن يسأل عن حصيلته داخل حدود الاختصاصات التي يمنحها له القانون.

    المشكلة إذن ليست في الانتخابات باعتبارها آلية ديمقراطية، وإنما في المسافة التي قد تنشأ بين المواطن وممثله بعد الوصول إلى المؤسسة.

    هل يبقى المواطن حاضراً في أجندة المنتخب؟

    أم أن العلاقة تنتهي بمجرد إغلاق صندوق الاقتراع؟

    هل تتحول الوعود الانتخابية إلى ملفات قابلة للتتبع؟

    وهل يستطيع المواطن بعد نهاية الولاية أن يفتح حصيلة ممثله ويقول بوضوح: هذا ما تحقق، وهذا ما لم يتحقق؟

    هذه الأسئلة هي التي تمنح الانتخابات معناها الحقيقي.

    لأن الديمقراطية لا تختصر في أن يُطلب من المواطن أن يصوت.

    الديمقراطية أيضاً أن يعرف لمن يمنح صوته، وعلى أي أساس، وأن يستطيع بعد ذلك أن يسأل ممثله: ماذا فعلت بهذا التفويض؟

    قد يختلف المواطنون في اختياراتهم، وقد تختلف الأحزاب والبرامج، وقد تختلف طرق قراءة النتائج. وهذا جزء طبيعي من العملية الديمقراطية.

    لكن هناك أمراً واحداً يفترض ألا يختلف عليه أحد: أن صوت المواطن ليس مجرد رقم في محضر انتخابي.

    إنه تفويض.

    والتفويض مسؤولية.

    ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي في الانتخابات المقبلة ليس فقط: من سيفوز بالمقاعد؟

    بل: ماذا سيفعل الفائزون بهذه المقاعد؟

    فإذا بقي المواطن ينتظر التغيير من انتخابات إلى أخرى، بينما تتكرر الأسئلة نفسها والمشاكل نفسها والوعود نفسها، فسيظل سؤال الجدوى قائماً.

    أما إذا تحولت المشاركة الانتخابية إلى تمثيلية حقيقية، والتمثيلية إلى عمل مؤسساتي، والعمل المؤسساتي إلى نتائج قابلة للقياس والمحاسبة، فحينها يصبح لصوت المواطن أثر يتجاوز يوم الاقتراع.

    في النهاية، المواطن لا يريد أن يسمع فقط: «صوّت».

    يريد أن يعرف أيضاً: ماذا سيحدث لصوته بعد أن يصوت؟