حكومة المنصوري.. حين بدأت مفاوضات ما بعد الصناديق

  • بتاريخ : أكتوبر 1, 2026 - 3:11 م
  • الزيارات : 684
  • بقلم: سمير أشقر

    لم تنتهِ الانتخابات التشريعية بإعلان النتائج، بل يبدو أن الجزء الأكثر حساسية من العملية السياسية بدأ بعدها مباشرة.

    فاطمة الزهراء المنصوري، التي كُلّفت بتشكيل الحكومة الجديدة، وجدت نفسها أمام خريطة سياسية مختلفة، وأمام مهمة لا تختصر في اختيار الوزراء، بقدر ما تتعلق ببناء أغلبية قادرة على حمل حكومة ستدخل مرحلة سياسية واقتصادية شديدة الحساسية.

    المشهد، اليوم الخميس فاتح أكتوبر، لا يزال مفتوحاً على أكثر من احتمال، لكن بعض ملامحه بدأت تتضح.

    الأصالة والمعاصرة تصدّر الانتخابات بـ97 مقعداً، غير أن الرقم، رغم ثقله، لا يمنح الحزب إمكانية تشكيل الحكومة منفرداً. ولذلك بدأت المنصوري مشاوراتها مع الأحزاب، وأصبح البحث عن الأغلبية هو العنوان الحقيقي للمرحلة.

    وهنا يظهر التجمع الوطني للأحرار في موقع مهم داخل الحسابات الجديدة، إلى جانب الاستقلال وأحزاب أخرى يمكن أن تدخل في هندسة الأغلبية.

    لكن السياسة لا تُدار بالأرقام وحدها.

    فوراء كل مقعد برنامج، ووراء كل حزب وعود انتخابية، ووراء كل وعد ناخب ينتظر أن يعرف ماذا سيبقى مما قيل له قبل وضع ورقة التصويت في الصندوق.

    وهنا تبدأ القصة الأكثر أهمية.

    الأحزاب لم تدخل انتخابات 23 شتنبر بالشعارات فقط، بل قدمت برامج انتخابية يفترض أنها تعكس رؤيتها للسنوات المقبلة.

    الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر الانتخابات، قدم برنامجاً يقوم على خمسة مواثيق و20 التزاماً قابلاً للتطبيق والتتبع، مع كلفة إجمالية معلنة تبلغ 350 مليار درهم خلال خمس سنوات، وهدف خلق مليون منصب شغل صافٍ على الأقل خلال الولاية.

    والتجمع الوطني للأحرار دخل بدوره الانتخابات ببرنامج 2026 ـ 2031 تحت شعار «كرامة وفرص للجميع»، يرتكز على حماية القدرة الشرائية، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وتعزيز الإدماج الاقتصادي، إلى جانب مواصلة أوراش الدولة الاجتماعية والإصلاح في الصحة والتعليم.

    وهنا يصبح السؤال مشروعاً:

    ماذا يحدث لهذه البرامج عندما تنتقل الأحزاب من منصة الانتخابات إلى طاولة تشكيل الحكومة؟

    فالبرنامج الانتخابي يُكتب من طرف حزب، أما البرنامج الحكومي فيُكتب في النهاية داخل أغلبية متعددة المكونات.

    وهذه نقطة جوهرية.

    الحزب يستطيع خلال الحملة أن يقدم رؤيته كاملة، وأن يضع التشغيل أو القدرة الشرائية أو الصحة أو التعليم في مقدمة أولوياته. لكنه عندما يجلس إلى طاولة المفاوضات، سيجد أمامه أحزاباً أخرى لديها برامجها وأولوياتها ووعودها أيضاً.

    وهنا تبدأ عملية التفاوض الحقيقية.

    ليست مفاوضات على الحقائب فقط، وإنما على الأولويات.

    ما الذي سيدخل إلى البرنامج الحكومي؟

    ما الذي سيتم دمجه؟

    ما الذي سيتم تأجيله؟

    وما الذي قد يسقط من الحسابات بسبب اختلاف البرامج أو الإمكانات المالية أو ترتيب الأولويات؟

    المفارقة أن الوعود الانتخابية لا تختفي بالضرورة بعد الانتخابات، لكنها تدخل مرحلة أصعب.

    مرحلة الاختبار.

    فالوعد الانتخابي يصبح، بعد تشكيل الحكومة، بحاجة إلى قرار، وتمويل، وبرنامج زمني، ومؤشرات لقياس التنفيذ.

    ومن هنا يمكن أن تتحول بعض الوعود إلى سياسات عمومية، بينما قد تتحول أخرى إلى التزامات مؤجلة أو يعاد ترتيبها داخل البرنامج الحكومي.

    وهذا بالضبط ما يجعل المشاورات الحالية أكثر من مجرد عملية لتوزيع الكراسي.

    فالأحزاب بدأت بالفعل في طرح الملفات التي تريد أن تجد طريقها إلى البرنامج الحكومي. التشغيل، خصوصاً بالنسبة للشباب، والقدرة الشرائية، والتعليم والصحة، والعدالة المجالية، كلها ملفات حاضرة في النقاش السياسي حول شكل المرحلة المقبلة.

    وهنا تتضح الصورة أكثر.

    الأحزاب لا تفاوض فقط على موقعها داخل الحكومة، بل تفاوض أيضاً على المساحة التي سيحصل عليها برنامجها داخل الحكومة.

    قد يحصل حزب على حقيبة معينة، لكنه يريد في المقابل أن يرى جزءاً من برنامجه يتحول إلى قرار حكومي.

    وقد يدخل حزب آخر إلى الأغلبية، لكنه يصر على ملفات يعتبرها أساسية بالنسبة إلى قاعدته الانتخابية.

    وقد تكون هناك ملفات تتفق عليها جميع المكونات، بينما تبقى ملفات أخرى محل تفاوض.

    وهنا بالضبط يمكن أن نعرف شكل الحكومة المقبلة قبل أن نعرف أسماء جميع وزرائها.

    لأن الحكومة ليست مجرد لائحة وزراء.

    الحكومة برنامج، وأغلبية، وتفاهمات، وأولويات، وقدرة على التنفيذ.

    ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الذي يجب أن يرافق ولادة حكومة المنصوري ليس فقط: من سيحصل على الداخلية؟ ومن سيحمل الاقتصاد والمالية؟ ومن سيستمر ومن سيغادر؟

    السؤال الأهم هو: ماذا بقي من الوعود الانتخابية؟

    المواطن الذي صوت على أساس وعد بخلق فرص شغل لن يكون معنياً كثيراً باسم الوزير إذا لم تتحول تلك الوعود إلى برامج تشغيل قابلة للقياس.

    ومن ينتظر إصلاح التعليم والصحة سيبحث عن النتائج داخل المدرسة والمستشفى، لا عن عدد التصريحات الحكومية.

    ومن يواجه ضغط الأسعار والقدرة الشرائية سيراقب دخله وتكاليف حياته، لا عدد الاجتماعات المنعقدة حول هذا الملف.

    وهنا تبدأ مسؤولية الحكومة الجديدة، ولكن تبدأ أيضاً مسؤولية الأحزاب المشاركة فيها.

    لأن الحزب الذي قدم وعداً انتخابياً لا يستطيع ببساطة أن يتركه خلفه عند باب الحكومة.

    وإذا اضطر إلى تعديله أو تأجيله أو التخلي عنه بسبب التفاوض، فسيبقى السؤال مشروعاً: لماذا؟

    هذه هي المسافة التي تستحق أن تراقبها الصحافة خلال السنوات المقبلة.

    المسافة بين البرنامج الانتخابي والبرنامج الحكومي.

    ثم بين البرنامج الحكومي وقانون المالية.

    ثم بين الاعتمادات المالية والمشاريع.

    ثم بين المشاريع والنتائج.

    هناك فقط يمكن أن نعرف أي الوعود بقيت وأيها ضاع في الطريق.

    أما الحديث الآن عن أسماء الوزراء، فلا يزال سابقاً لأوانه.

    فوزي لقجع، عبد اللطيف وهبي، أحمد أخشيشن وغيرهم من الأسماء التي تحضر في النقاش السياسي، لا يعني أن الاستوزار قد حُسم بالنسبة إليهم.

    الحضور في المشاورات شيء، وتوزيع الحقائب شيء آخر.

    وهنا يجب التمييز بين الخبر السياسي والتسريب السياسي.

    فاللائحة التي تتناقلها بعض الصفحات والمواقع ليست قراراً حكومياً، والاسم المتداول اليوم قد يختفي غداً من الحسابات، خصوصاً أن توزيع الحقائب لن يكون منفصلاً عن شكل الأغلبية والتفاهمات التي ستنتج عنها.

    والمرحلة المقبلة ليست عادية.

    المغرب يدخل سنوات مرتبطة بأوراش كبرى، وفي مقدمتها الاستعدادات لكأس العالم 2030، إلى جانب الاستثمار والبنية التحتية والماء والصحة والتعليم والتشغيل والحماية الاجتماعية، فضلاً عن الملفات المرتبطة بالسياسة الخارجية والوحدة الترابية.

    لهذا فإن حكومة المنصوري، إذا اكتملت تركيبتها، لن تكون أمام مجرد تدبير دورة حكومية عادية.

    ستكون أمام مرحلة تحتاج إلى سرعة في التنفيذ، وانسجام داخل الأغلبية، وقدرة على تحويل الالتزامات الانتخابية إلى سياسات عمومية قابلة للقياس.

    وفي المقابل، بدأت ملامح المعارضة تتشكل، بينما لا تزال بعض الأحزاب الأخرى تحسم موقعها النهائي وحجم حضورها.

    وهكذا يتجه المشهد تدريجياً نحو أغلبية حكومية متعددة المكونات، مقابل معارضة أكثر وضوحاً داخل البرلمان.

    لكن المفاجأة الحقيقية قد لا تكون في اسم الوزير الذي سيدخل هذه الوزارة أو تلك.

    المفاجأة ستكون في شكل الحكومة نفسها.

    هل ستكون حكومة حزبية واسعة؟

    أم حكومة أصغر بعدد وزراء أقل؟

    أم تركيبة تجمع بين الثقل الحزبي والكفاءات التقنية؟

    وهل ستنجح المنصوري في بناء توافق لا يجمع المقاعد فقط، بل يجمع أيضاً البرامج؟

    الجواب لن يأتي من صفحات التواصل الاجتماعي، ولا من لوائح التسريبات التي تتغير كل ساعة.

    الجواب سيخرج من طاولة المشاورات.

    ومن هنا يمكن القول إن فاطمة الزهراء المنصوري لا تفاوض اليوم فقط على تشكيل حكومة، بل تفاوض على هندسة الأغلبية التي ستدير مرحلة المغرب إلى حدود 2030، وعلى البرنامج الذي سيجمع بين أحزاب دخلت الانتخابات بوعود مختلفة.

    أما أسماء الوزراء، فما زالت في غرفة الانتظار.

    لكن الوعود لم تعد كذلك.

    لقد خرجت من مرحلة الخطاب الانتخابي، ودخلت الآن مرحلة الحساب.

    وهنا تحديداً سيبدأ الاختبار الحقيقي:

    من سيأخذ ماذا؟

    ومن سيبقى؟

    ومن سيغادر؟

    ومن سيدخل لأول مرة إلى حكومة المونديال؟

    والأهم من ذلك كله:

    ماذا سيبقى من وعود الانتخابات عندما تُغلق أبواب التفاوض؟

    فهناك، تحديداً، ستبدأ القراءة الأصعب.