الرئيسية»أقلام حرة
سلسلة «صناعة الأخيار» صناعة مجتمع أفضل تبدأ من صناعة الإنسان الحلقة الثالثة: المعلم ليس ناقلاً للمعرفة فقط… من يعيد للقدوة مكانها في المدرسة؟
سلسلة «صناعة الأخيار» صناعة مجتمع أفضل تبدأ من صناعة الإنسان الحلقة الثالثة: المعلم ليس ناقلاً للمعرفة فقط… من يعيد للقدوة مكانها في المدرسة؟
hassan faqir
منذ 44 ثانية
آخر تحديث : منذ 44 ثانية
سلسلة «صناعة الأخيار»
صناعة مجتمع أفضل تبدأ من صناعة الإنسان
الحلقة الثالثة: المعلم ليس ناقلاً للمعرفة فقط… من يعيد للقدوة مكانها في المدرسة؟
دخلتُ القسم معلماً منذ سنوات بعيدة، وخرجت منه متقاعداً بعد عقود من الزمن، لكن شيئاً واحداً بقي راسخاً في ذاكرتي:
كنا نظن أحياناً أننا نعلّم الأطفال الحروف والحساب… ثم اكتشفنا مع مرور السنوات أننا كنا نشارك في صناعة الإنسان.
فالطفل الذي يجلس أمام المعلم لا يحمل معه دفتراً ومحفظة فقط.
إنه يحمل شخصية ما تزال تتشكل، وأسئلة تبحث عن أجوبة، وعينين تراقبان المربي في كل حركة وكلمة وموقف.
ولهذا فإن المعلم لا يدرّس مادته فقط…
إنه، من حيث يدري أو لا يدري، يقدم نموذجاً للإنسان.
قد ينسى التلميذ الدرس… لكنه لا ينسى الموقف
بعد عشرين أو ثلاثين سنة، قد لا يتذكر التلميذ المسألة الحسابية التي شرحتها له، ولا النص الذي قرأه أمامك.
لكنه قد يتذكر أنك شجعته عندما أخطأ.
وقد يتذكر أنك أنصفته عندما ظلمه زميل.
وقد يتذكر أنك لم تسخر منه عندما عجز عن الإجابة.
وقد يتذكر كلمة قلتها له وهو طفل:
«أنت تستطيع.»
وربما صنعت تلك الكلمة في حياته ما لم تصنعه صفحات كاملة من الكتب.
وفي المقابل، قد تبقى كلمة جارحة من معلم في ذاكرة طفل سنوات طويلة.
وهنا تكمن عظمة مهنة التربية… وخطورتها أيضاً.
المعلم قدوة قبل أن يكون مقرراً دراسياً
كيف نعلّم الطفل احترام الوقت إذا كان من يربيه لا يحترمه؟
وكيف نحدثه عن العدل إذا شعر أن معلمه يميز بين التلاميذ؟
وكيف نطلب منه الصدق إذا اكتشف أن الكبار يقولون شيئاً ويفعلون نقيضه؟
التربية ليست ما نقوله فقط.
التربية هي أيضاً ما يراه الطفل فينا.
ولذلك فإن المربي الذي يعترف بخطئه أمام تلاميذه يقدم درساً في التواضع.
والذي يستمع إلى تلميذ ضعيف يقدم درساً في الرحمة.
والذي يرفض المحاباة يقدم درساً في العدل.
والذي يحترم عامل النظافة كما يحترم المدير يقدم درساً في كرامة الإنسان.
هذه الدروس لا نجدها دائماً مكتوبة في المقررات…
لكنها قد تكون أهم الدروس التي يأخذها الطفل من المدرسة.
وهل نحمّل المعلم وحده كل المسؤولية؟
قطعاً لا.
سيكون من الظلم أن نطالب المعلم بصناعة جيل كامل، ثم نتركه وحيداً أمام قسم مكتظ، أو ظروف عمل صعبة، أو نقص في الوسائل، أو تغيرات اجتماعية ورقمية متسارعة، ثم نحاسبه وحده على كل اختلال تربوي.
لقد أشار بعض قراء الحلقات السابقة، بحق، إلى أهمية التكوين المستمر، والبنية التحتية للمؤسسات، وتأهيل الفضاء المدرسي، وإعادة الاعتبار لرجال ونساء التعليم.
فإذا كنا نريد من المعلم أن يكون قدوة، فعلينا أيضاً أن نوفر له الظروف التي تساعده على أداء رسالته.
كرامة المربي جزء من كرامة المدرسة.
الهيبة ليست خوفاً
ومن القضايا التي أثارها أحد القراء أيضاً مسألة السلطة التربوية.
وهنا يجب أن نميز بين أمرين.
نحن بحاجة إلى مدرسة يحترم فيها التلميذ معلمه، وتحترم فيها القواعد، ويعرف الجميع حقوقهم وواجباتهم.
لكن الهيبة التي نريدها للمعلم ليست هي الخوف.
فالمعلم الذي يخشاه الطفل قد يحصل على الصمت داخل القسم، لكن المعلم الذي يحترمه الطفل يستطيع أن يحصل على شيء أعظم:
ثقته.
والسلطة التربوية الحقيقية لا تبنى بالإهانة ولا بالعنف، وإنما بالكفاءة والعدل والثبات والاحترام والحزم المتزن.
يمكن للمعلم أن يقول «لا» دون أن يهين.
ويمكنه أن يعاقب تربوياً دون أن يحطم كرامة الطفل.
ويمكنه أن يكون قريباً من تلاميذه دون أن يفقد مكانته.
المدرسة ليست مصنعاً للنقط
أحياناً نقيس نجاح المدرسة بعدد الناجحين في الامتحانات.
وهذا مهم، لكنه غير كافٍ.
ماذا لو حصل التلميذ على أعلى النقط، لكنه لم يتعلم احترام الآخر؟
ماذا لو أتقن الرياضيات واللغات، لكنه اعتبر الغش ذكاءً؟
ماذا لو حصل على الشهادات، لكنه لم يتعلم معنى المسؤولية والأمانة؟
نريد الطبيب الكفء، نعم…
لكننا نريده أيضاً رحيماً بالمريض.
ونريد المهندس المتميز…
لكننا نريده أميناً في عمله.
ونريد المسؤول المتعلم…
لكننا نريده عادلاً.
ونريد الصحفي المتمكن…
لكننا نريده صادقاً.
فالعلم يمنح الإنسان القدرة، أما القيم فتساعده على تحديد كيف يستخدم تلك القدرة.
وهنا تلتقي المعرفة بالأخلاق.
من تجربتي في القسم…
بعد سنوات طويلة في التعليم، أصبحت مقتنعاً بأن أجمل ما يمكن أن يسمعه المعلم بعد تقاعده ليس فقط:
«أستاذي، لقد علمتني القراءة.»
بل:
«أستاذي، تعلمت منك شيئاً ما زلت أعيشه إلى اليوم.»
هنا يشعر المربي أن جزءاً صغيراً منه ما زال يسير في الحياة داخل تلميذ أصبح رجلاً أو امرأة.
قد يصبح ذلك الطفل أباً فيعامل أبناءه بالرحمة التي رآها في معلمه.
وقد يصبح معلماً فيعامل تلاميذه كما كان يتمنى أن يعامَل.
وهكذا تنتقل القيم من جيل إلى جيل.
وهكذا، ربما، تُصنع الأخيار.
المعلم وحده لا يستطيع
لكن المدرسة لا تستطيع أن تبني في الصباح ما يهدمه المجتمع مساءً.
إذا علمت المدرسة الطفل احترام القانون، ثم رأى الكبار يتحايلون عليه، سيحتار.
وإذا علمناه أن الاجتهاد طريق النجاح، ثم شاهد من يصل بالغش والمحسوبية، سنضعف ثقة الطفل فيما نقوله.
لهذا نعود إلى الفكرة التي تقوم عليها هذه السلسلة:
صناعة الأخيار مسؤولية مشتركة.
الأسرة تزرع.
المدرسة تسقي.
والمجتمع إما أن يساعد النبتة على النمو… أو يقتلعها.
رسالة إلى زملائي رجال ونساء التعليم
إلى كل معلم ومعلمة، وإلى كل أستاذ وأستاذة يقفون اليوم أمام أطفال وشباب:
قد تمر عليكم أيام تشعرون فيها بالتعب، وربما تتساءلون عن أثر ما تفعلون.
لكن تذكروا أن أمامكم عقولاً وقلوباً في طور التكوين.
كلمة منكم قد ترفع طفلاً… فلا تبخلوا بها.
وموقف عادل قد يعلمه معنى الإنصاف أكثر من درس كامل.
وابتسامة في وجه طفل خائف قد تبقى في ذاكرته حتى يصبح جداً.
أنتم لا تملؤون دفاتر فقط.
أنتم تتركون آثاراً في البشر.
سؤال الحلقة إلى القراء
وأفتح باب النقاش مجدداً أمام قراء Nabae24.com:
هل ما زلتم تتذكرون معلماً أو أستاذاً ترك أثراً في شخصيتكم؟ وما الموقف أو الكلمة التي بقيت معكم إلى اليوم؟
اكتبوا لنا أسماءهم إن أحببتم، واحكوا لنا عن مواقفهم.
فلعل أجمل تكريم للمربي ليس شهادة تعلق على الجدار…
بل إنسان يقول بعد عشرات السنين: هذا الأستاذ جعلني أفضل.
وفي الحلقة الرابعة، أقترح أن نخرج من البيت والمدرسة إلى المحيط الأوسع:
«حين كان الجار يربي معنا… هل فقد المجتمع دوره في صناعة الأخيار؟»
وسندخل فيها إلى الحي، والجار، ودار الشباب، والجمعيات، والمسجد والفضاءات الثقافية والرياضية، مستفيدين أيضاً من الأفكار التي قدمها القراء منذ الحلقة الأولى.
✍️ الكاتب الصحفي ذ. حسن فقير
Nabae24.com
سلسلة «صناعة الأخيار» — صناعة مجتمع أفضل تبدأ من صناعة الإنسان





إرسال تعليق