الانحلال الأخلاقي والمجتمعي باسم المرأة المستقلة… حين يُفرَّغ التحرر من معناه .
بقلم:المعطي ولدالمسكين .
شهدت المجتمعات الإسلامية، خلال العقود الأخيرة، موجة جارفة من الخطاب الداعي إلى تحرير المرأة ، خطاب رُوِّج له بوصفه مشروعًا تقدميًا وحداثيًا، لكنه في كثير من تجلياته لم يُفضِ إلى تحرير حقيقي بقدر ما قاد إلى تفريغ المرأة من أدوارها السامية وتحويلها من ركيزة للأسرة والمجتمع إلى مجرد صورة استهلاكية، تُستثمر في الإعلانات، وتُستعمل في الصراعات الإيديولوجية، وتُختزل في الجسد والمظهر بدل العقل والرسالة.
لقد كانت المرأة في المجتمع الإسلامي التقليدي فاعلة لا تابعة ، شريكة في البناء لا هامشًا فيه، ربة أسرة، ومربية أجيال، وعمود توازن اجتماعي وأخلاقي. لم تكن “سجينة” كما يُصوَّر اليوم، ولا عبدة مضطهدة كما تروّج بعض الخطابات المستوردة، بل كانت حرة أبيّة داخل منظومة قيمية تحفظ لها الكرامة وتمنحها المعنى قبل الامتيازات الشكلية.
غير أن ما سُوِّق تحت لافتة المرأة المستقلة، لم يكن في كثير من الأحيان سوى نقل أعمى لنموذج غربي ، نشأ في سياق تاريخي مختلف، وأُسقِط قسرًا على مجتمعات لم تعش نفس الصراعات، فكانت النتيجة تصدّعًا في الأسرة، وتيهًا في الهوية، وخلطًا بين الحرية والانفلات، وبين الحقوق والتجرد من المسؤوليات.
إن أخطر ما في هذا المسار ليس خروج المرأة إلى العمل أو مشاركتها في الشأن العام، فذلك حق مشروع، بل إعادة تعريفها خارج سياقها الحضاري ، وتجريدها من بعدها الإنساني العميق، وتحويلها إلى أداة صراع ثقافي، أو واجهة استهلاكية تُقاس قيمتها بعدد المتابعين لا بعمق الأثر.
فشل المجتمعات الإسلامية هنا لا يكمن في الدفاع عن المرأة، بل في العجز عن تقديم نموذج أصيل يوفّق بين الكرامة والوظيفة، بين الحرية والالتزام، بين الاستقلال والتكامل الأسري. فإما تقليد أعمى، أو انغلاق جامد، وضاعت المرأة بين نقيضين لا يخدمانها.
السؤال الجوهري الذي يجب طرحه بجرأة:
هل نريد امرأة حرة حقًا، واعية بدورها، قوية بقيمها، أم امرأة “متحررة” بلا بوصلة، تُستعمل وتُستهلك باسم الحداثة؟
إن تحرير المرأة الحقيقي لا يكون بسلخها عن أسرتها، ولا بتصوير الأمومة عبئًا، ولا بتسفيه القيم، بل بإعادة الاعتبار لدورها الكامل: إنسانة، وأم، ومواطنة، وصانعة مجتمع . وما عدا ذلك، ليس تحريرًا، بل إعادة إنتاج للهيمنة في ثوب جديد.
المعطي ولدالمسكين .





إرسال تعليق