✍️ سمير اشقر
يبدو أن غار جبيلات لم يعد مجرد منجم للحديد، بل أصبح منجمًا للخطابات الوطنية، يُستخرج منه الكلام أسرع من استخراج الخام، وتُصهر فيه الحقائق حتى تفقد شكلها الأصلي.
في الرواية الرسمية الجزائرية، يُقدّم غار جبيلات كأنه:
ـ الردّ التاريخي
ـ الكنز الاستراتيجي
ـ الصفعة الجيوسياسية
وبالطبع… الدليل القاطع على قوة الدولة
لكن، لو نزلنا عن منصة الخطابات وأمعنا النظر في الوثائق، نكتشف الحقيقة الأقل لمعانًا، والأكثر إحراجًا.
منجم اكتشفه الفرنسيون… وتركوه نائمًا
غار جبيلات اكتشفه الاستعمار الفرنسي في خمسينيات القرن الماضي، وبقي نائمًا أكثر من ستين سنة.
لم يكن الخفاء بسبب خجل الحديد، بل لأن الخام:
ـ معقّد تقنيًا
ـ مكلف اقتصاديًا
ـ ويحتاج تكنولوجيا متقدمة لم تتوفر
اليوم، ومع كل أزمة سياسية أو داخلية، يستيقظ المنجم… لا ليُنتج الحديد، بل ليُنتج خطابًا وطنيًا جاهزًا للنشر.
تندوف… الجغرافيا التي تُنسى عند الحاجة
المشكلة ليست في المنجم وحده، بل في موقعه.
منطقة تندوف لم تكن يومًا فراغًا جغرافيًا أو تاريخيًا. قبل 1962:
كانت مرتبطة إداريًا بالمغرب
مدرجة في الخرائط الفرنسية كمجال مغربي
وموضوع مطالب رسمية بعد استقلال المغرب سنة 1956
لكن القاموس الرسمي شرقًا يقرأ التاريخ بعكس ذلك:
ما قبل 1962 = لا تاريخ
ما بعد 1962 = حقيقة أبدية
وهكذا تُصنع الجغرافيا… بالكلام والخطابات، لا بالوثائق.
أسطورة “التهديد للمغرب”
في الإعلام الرسمي، يُقدّم غار جبيلات كـ”الكابوس الذي سيقلق الرباط”.
الحقيقة أن المغرب بنى اقتصاده على:
الفوسفاط والصناعة
الطاقات المتجددة والموانئ
الشراكات الدولية
أما الحديد، فليس عقدته الوجودية. المغرب لا يخاف المناجم، بل يقرأ التاريخ والوقائع… وهذا ما يزعج الخطاب الرسمي شرقًا.
الخلاصة
غار جبيلات ليس:
لا معجزة اقتصادية
ولا سلاحًا جيوسياسيًا
ولا ردًا تاريخيًا
هو مشروع تقني صعب، محاط بتاريخ مُحرج، يُعاد تقديمه كل مرة كـ”نصر سيادي” لتغطية فراغ أعمق.
أما الصحراء الشرقية، فهي حقيقة تاريخية مثبتة، وكل تأجيل، مهما طال، لا يُلغيها، بل يكشف حجم الخوف من مواجهتها بالحقائق.