مؤتمر الأحرار بالجديدة… بين الخطاب السياسي وسؤال المال العام

  • بتاريخ : فبراير 8, 2026 - 3:26 م
  • الزيارات : 60
  • ✍️ سمير اشقر

    لم يكن المؤتمر الذي نظّمه حزب التجمع الوطني للأحرار بمدينة الجديدة مجرد محطة تنظيمية داخلية عادية، بل تحوّل بسرعة إلى موضوع نقاش عمومي، بعدما طُرحت أسئلة مشروعة حول ظروف انعقاده، وحول الوسائل اللوجستيكية التي رافقته. فحين يتعلق الأمر بحزب يقود الحكومة، فإن كل تحرّك له يُقرأ سياسياً، وكل تفصيل صغير يصبح محلّ تدقيق، لأن الحدود بين الدولة والحزب يجب أن تبقى واضحة لا لبس فيها.

    المؤتمر في شكله العام جاء لتجديد القيادة الحزبية وإعطاء نفس جديد للتنظيم، استعداداً للاستحقاقات المقبلة. لكن ما أثار الجدل ليس فقط تغيير الوجوه أو الشعارات، بل الحديث المتداول عن تحركات لأسطول من سيارات الدولة لنقل المشاركين أو خدمة أنشطة مرتبطة بالمؤتمر. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: أين تنتهي الدولة، وأين يبدأ الحزب؟

    في أي نظام ديمقراطي سليم، القاعدة بسيطة وواضحة:
    وسائل الدولة لخدمة المواطنين، ووسائل الأحزاب لخدمة العمل الحزبي.

    الخلط بين الاثنين يفتح الباب أمام الشك، ويضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين الفاعلين السياسيين، ويعطي الانطباع بأن من يملك السلطة يملك أيضاً مفاتيح اللعبة.

    المغاربة اليوم لم يعودوا يكتفون بالشعارات ولا بالصور الاحتفالية للمؤتمرات. ما يطلبونه ببساطة هو الوضوح:
    من موّل؟
    من نقل؟
    ومن استعمل ماذا؟
    هذه ليست أسئلة معارضة ولا خصومة سياسية، بل أسئلة مواطنين يدفعون الضرائب ويريدون الاطمئنان إلى أن المال العام لا يُستعمل إلا في مكانه الصحيح. فالثقة في المؤسسات لا تُبنى بالخطابات، بل بالممارسات اليومية، وبقدرة المسؤولين على الفصل الصارم بين ما هو حزبي وما هو عمومي.
    حزب يقود الحكومة يفترض أن يكون أول من يحرص على هذا الفصل، لأنه في موقع القدوة. وأي صورة توحي بعكس ذلك، حتى لو كانت مجرد سوء تقدير أو خلل تنظيمي، تتحول سريعاً إلى أزمة ثقة، خصوصاً في زمن تنتشر فيه الأخبار بسرعة وتتضخم فيه الشكوك.
    المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات، بل تقديم توضيحات رسمية دقيقة:
    هل استُعملت فعلاً سيارات الدولة؟
    وفي أي إطار؟
    ومن أصدر التعليمات؟
    فإن ثبت أن كل شيء جرى وفق القانون، فذلك يطمئن الرأي العام. وإن كانت هناك تجاوزات، فالمحاسبة هي الطريق الوحيد لاستعادة الثقة.
    المغرب في حاجة إلى سياسة نظيفة وواضحة، لا تختلط فيها الرايات الحزبية بمفاتيح الإدارة، ولا تتحول فيها ممتلكات الدولة إلى أدوات دعاية. لأن الدولة للجميع، والحزب لأعضائه، وبين الاثنين خط يجب أن يبقى مرسوماً بالحبر السميك، لا بالقلم الرصاص.