A place where you need to follow for what happening in world cup

خادم للشعب أم سيد فوقه؟

0 91

الدولة: أبٌ راعٍ أم موظف لدى الشعب؟

بقلم: المعطي ولدالمسكين.

في خضم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها العديد من الدول، يعود السؤال الجوهري ليطرح نفسه بإلحاح: ما معنى الدولة؟ هل هي أبٌ يحتضن أبناءه ويوجههم برعاية وحكمة، أم هي مجرد جهاز إداري يعمل لدى الشعب، يتقاضى شرعيته من خدمته لهم؟

لطالما رُوّج لفكرة الدولة ، الأب، التي ترعى مواطنيها وتقرر نيابة عنهم ما هو الأصلح، لكن هذه الصورة سرعان ما تتحول إلى ذريعة للوصاية، بل وأحيانًا إلى مبرر للاستبداد. فالأب في هذا السياق لا يُسأل، لا يُحاسب، ولا يُراجع قراراته، وكأن المواطنين قُصّر لا يملكون من أمرهم شيئًا. وهنا تكمن الخطورة: حين تتحول الدولة من خادم للشعب إلى وصي عليه.

في المقابل، تقوم الدولة الحديثة، في مفهومها الديمقراطي، على فكرة أنها موظف عمومي كبير لدى الشعب. الشعب هو صاحب السيادة، والدولة ليست سوى أداة لتنفيذ إرادته. الحكومة، في هذا الإطار، ليست سلطة فوقية، بل جهاز إداري مؤتمن على تدبير الشأن العام، يخضع للمحاسبة والمراقبة، ويُقاس أداؤه بمدى قدرته على تحقيق الكرامة والعدالة الاجتماعية.

لكن الواقع يكشف مفارقة صادمة: في كثير من الأحيان، تتصرف الدولة وكأنها مالكة للثروة الوطنية، لا مدبرة لها. تُفرض الضرائب باسم المصلحة العامة، لكن آثارها لا تنعكس على حياة المواطن البسيط. تُعلن مشاريع كبرى، بينما يستمر الفقر والتهميش. يُطلب من المواطن الصبر والتضحية، بينما تُهدر الموارد في صفقات مشبوهة أو سياسات غير فعالة.

وهنا نصل إلى سؤال الموارد والمؤهلات: من أين تستمد الدولة قوتها المالية؟ الجواب بسيط ومعقد في آن واحد: من جيوب المواطنين، من ثروات البلاد الطبيعية، ومن القروض التي تُرهن بها الأجيال القادمة. وبالتالي، فإن الدولة ليست منتجًا مستقلاً للثروة، بل وسيطًا في توزيعها. وإذا اختل هذا التوزيع، تحولت الدولة إلى عبء بدل أن تكون سندًا.

أما مؤهلات الدولة الحقيقية، فلا تُقاس بحجم ميزانيتها فقط، بل بمدى شفافيتها، كفاءة مؤسساتها، نزاهة مسؤوليها، وقدرتها على تحقيق العدالة. دولة بلا حكامة رشيدة، مهما امتلكت من موارد، ستظل عاجزة عن تحقيق التنمية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يفقد المواطن ثقته في الدولة: حين يشعر أنها لا تمثله، لا تحميه، ولا تضمن له حقوقه الأساسية. حينها، لا يعود السؤال: هل الدولة أب أم موظف؟ بل يصبح: هل هذه الدولة لنا أم علينا؟

في النهاية، الدولة ليست أبًا متسلطًا ولا كيانًا مقدسًا، بل عقد اجتماعي حيّ. إن احترمته الدولة، ازدهر الوطن. وإن خرقته، انهار التوازن، ودفع المواطن الثمن.

الدولة القوية ليست تلك التي تفرض هيبتها، بل التي تكسب ثقة شعبها.

المعطي ولدالمسكين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.