من فوضى المعلومات إلى حكمة المعرفة …. الرحلة التي تُعيد تشكيل الإنسان
16/04/2026
مقال اليوم السابع من المسابقة الدولية للاتحاد العالمي للتنمية والحرية والسلام
✍️د سمير اشقر
اعلامي و سفير سلام دولي
لم يعد التحدي في عصرنا أن نعرف… بل أن ننجو من سيل المعرفة الجارف دون أن نغرق.
كل يوم، بل كل لحظة، تُفتح أمامنا نوافذ لا تُحصى: أخبار تتلاحق، آراء تتصادم، تحليلات تتكاثر كالأمواج في بحرٍ لا يهدأ. نمرّ بينها بسرعة، نلتقط ما يلمع، ونترك ما لا يلفت الانتباه، دون أن ندرك أن عقولنا تتحول شيئًا فشيئًا إلى ساحة مزدحمة، لا يُسمع فيها صوت الحقيقة بوضوح.
في هذا الزحام، لم تعد المعلومة عملة نادرة… بل أصبحت رخيصة حدّ الإغراق. القيمة الحقيقية اليوم لم تعد في “الوصول”، بل في “التمييز”. ليس كل ما يُقال يستحق أن يُحفظ، ولا كل ما يُنشر يستحق أن يُفهم، فضلًا عن أن يُصدّق.
الفوضى لا تُولد من كثرة المعلومات وحدها، بل من غياب البوصلة. حين نتلقى كل شيء دون فلترة، نتحول إلى أوعية ممتلئة… لكنها بلا نظام، بلا معنى، بلا قدرة على البناء. عندها، تصبح المعرفة وهمًا، ويصبح الامتلاء نوعًا من الفراغ المقنّع.
لكن هنا، بالضبط، تبدأ الرحلة الحقيقية.
رحلة لا تقوم على الهروب من المعلومات، بل على ترويضها.
أول مفاتيحها: الاختيار الواعي. أن لا تكون مستهلكًا سهل الانقياد، بل حارسًا يقظًا على بوابة عقلك. أن تسأل قبل أن تقرأ: هل هذا يستحقني؟ هل يضيف إليّ أم يشتتني؟ لأن أخطر ما قد تملكه اليوم… هو وقتك إذا لم تُحسن حمايته.
ثم يأتي الفهم العميق، ذلك الفن المنسي في زمن السرعة. أن لا تكتفي بالعناوين البراقة، ولا بالآراء الجاهزة. أن تغوص قليلًا، تربط، تشكّ، تقارن، وتعيد التفكير. فالمعرفة لا تُمنح لمن يمرّ مرورًا عابرًا، بل لمن يقف، يتأمل، ويمنح الفكرة حقها من الانتباه.
بعدها تبدأ المرحلة الأهم، والأهدأ: الهضم. تلك العملية الصامتة التي تتحول فيها المعلومة من شيء خارجي إلى جزء منك. أن تعيد صياغتها بلغتك، أن تختبرها في واقعك، أن تسمح لها أن تنضج داخلك بدل أن تتكدس فوقك.
وهنا فقط… تتشكل الحكمة.
الحكمة ليست كثرة ما نعرف، بل صفاء ما نفهم. ليست سرعة الوصول، بل جودة التفاعل. هي القدرة على أن ترى ما وراء الضجيج، وأن تمنح كل فكرة وزنها الحقيقي دون تهويل أو تسطيح.
في عالم يركض بلا توقف، يصبح التباطؤ فعلًا شجاعًا. أن تختار العمق بدل السطح، وأن تُنصت بدل أن تكتفي بالمرور، وأن تدرك أن الصمت أحيانًا أكثر إنتاجًا من ألف معلومة عابرة.
الفرق بين من يغرق في هذا الطوفان، ومن يتقنه، ليس في حجم ما يتلقاه… بل في طريقته في الاستقبال. فالعقل الناضج لا يفتح أبوابه لكل شيء، بل ينتقي، يرتّب، ويصنع من الفوضى نظامًا خاصًا به.
في النهاية، ليست هذه الرحلة سهلة، ولا سريعة… لكنها تستحق.
لأنها لا تغيّر ما تعرفه فقط، بل تغيّر من تكون.
وكلها تبدأ من سؤال بسيط، لكنه حاسم:
ماذا أسمح له أن يسكن عقلي؟
لأن ما يسكنك اليوم… هو ما سيقودك غدًا.




إرسال تعليق