بقلم سمير أشقر
في مشهد دبلوماسي يحمل الكثير من الرمزية، افتتحت الولايات المتحدة الأمريكية، اليوم، مقر قنصليتها العامة الجديد بمدينة الدار البيضاء، ليصبح أحدث منشأة دبلوماسية أمريكية في العالم، في خطوة تعكس عمق العلاقات التاريخية والاستراتيجية التي تجمع واشنطن والرباط منذ ما يقارب 250 عامًا.
وقد أشرف على حفل الافتتاح نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لاندو، إلى جانب سفير الولايات المتحدة الأمريكية بالمغرب ديوك بوكان الثالث، بحضور عدد من كبار المسؤولين المغاربة والأمريكيين، في مقدمتهم وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة و مستشار جلالة الملك السيد فؤاد علي الهمة .

ويمثل هذا المشروع الدبلوماسي الضخم، المقام في قلب القطب المالي والاقتصادي الجديد للدار البيضاء، استثمارًا أمريكيًا يفوق 350 مليون دولار، ما يجعله أحد أكبر المشاريع الدبلوماسية الأمريكية في القارة الإفريقية. كما يعكس التزام واشنطن بتعزيز حضورها الاستراتيجي في المغرب، باعتباره شريكًا محوريًا وحليفًا موثوقًا في المنطقة.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة، إذ أصبح المغرب البلد الوحيد في العالم الذي يحتضن معًا أقدم وأحدث بعثة دبلوماسية أمريكية. ففي الوقت الذي تظل فيه المفوضية الأمريكية بطنجة، التي يعود تاريخها إلى أواخر القرن الثامن عشر، أقدم مبنى دبلوماسي أمريكي خارج الولايات المتحدة، يضاف اليوم إلى هذا الإرث التاريخي المقر القنصلي الجديد بالدار البيضاء باعتباره الأحدث عالميًا.

هذا التلاقي الفريد بين التاريخ والحداثة يجسد متانة العلاقات المغربية الأمريكية، التي بدأت منذ اعتراف المغرب باستقلال الولايات المتحدة سنة 1777، وتُوجت بمعاهدة السلام والصداقة الموقعة سنة 1787، وهي أقدم معاهدة دبلوماسية ما تزال سارية في تاريخ الولايات المتحدة.

ولا يقتصر دور القنصلية الجديدة على تقديم الخدمات القنصلية فحسب، بل تمثل أيضًا منصة متقدمة لتعزيز التعاون الثنائي في مجالات الاقتصاد والاستثمار والأمن والثقافة والابتكار. كما تؤكد المكانة المتنامية للدار البيضاء كمركز اقتصادي إقليمي يربط بين إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين.

إن افتتاح هذا الصرح الدبلوماسي الحديث ليس مجرد تدشين لمبنى جديد، بل هو رسالة سياسية واستراتيجية واضحة: العلاقات المغربية الأمريكية، التي صمدت أمام تحولات التاريخ، تواصل اليوم تطورها بثقة، وتستعد لمرحلة جديدة أكثر عمقًا واتساعًا.

وبين أقدم مفوضية أمريكية في طنجة، وأحدث قنصلية أمريكية في الدار البيضاء، يواصل المغرب ترسيخ مكانته كشريك استثنائي للولايات المتحدة، وكجسر دبلوماسي واقتصادي يربط الماضي بالمستقبل.





إرسال تعليق