مستقبل أبنائنا بعد الباكالوريا
بقلم : عبد اللطيف هاني
تنويه : هذا المقال سبق وأن نشرته جريدة النهضة الدولية، أعيد نشره للتذكير فقط.
عشية اجتياز التلاميذ لامتحانات الباكالوريا، تعود إلى الواجهة تلك الإهتمامات والإرهاصات التي تراود المقبلين عليه، وكأنهم ذاهبون لاجتياز طريق الموت، بل ويغدوا الموضوع أكثر إشكالا عندما يمتد إلى العوائل والأسر.
قد يكون للتلاميذ بعض من العذر في تخوفاتهم تلك، بسبب الصورة النمطية التي تشكلت لديهم عن الإمتحانات بشكل عام والباكالوريا بشكل خاص، بحيث أضحى امتحان الباكالوريا هو المعيار الذي يحدد مصيرهم ومستقبلهم، وهم بذلك يختزلون إمكاناتهم وطموحاتهم وأحلامهم في ورقة امتحان، العجز عن الإجابة عليها يعني نهاية مسار دراسي طويل، وتوقف أفق مستقبلي قادم.
هذا التوجه الخاطئ يحمل في طياته العديد من الجوانب السلبية التي تدمر نفسية التلميذ في حالة الفشل، وبالتالي تعرض مساره الدراسي إلى الخروج عن الهدف الذي كان يسعى لتحقيقه منذ اليوم الأول للالتحاقه بصفوف الدراسة، أي العمل على اكتساب تكوين علمي ومعرفي يؤهله لمواجهة تحديات الحياة عامة وليس امتحانات الباك لوحدها.
وكم هم أولائك التلاميذ الذين انتهى بهم المسار العلمي والتكويني مباشرة بعد الفشل في اجتياز الباكالوريا، إما إلى طريق الإنحراف أو المرض النفسي والإنهيار العصبي، وبالتالي مغادرة سكة الحياة التعلُمية والركون في إحدى زوايا البيت أو الحي، وقد توقفت رحلة دراسته واسودت الحياة بالنسبة له، ليحمل معه ولزمن طويل عقدة اسمها: الباكالوريا.
ولهذا فإنه لزاما على كل من له علاقة بتوجيه التلميذ أيا كان، ولي أمر أو أستاذ أو موجه أن يغرس في التلميذ مبدأ مهما، وهو أن الإمتحان لايعدوا كونه نوع من أنواع التقييم لمدى جد واجتهاد التلميذ ، وليس معيارا للحكم على نبوغه وذكائه، بل هو عملية تحصيل لما راكمه من مثابرة إيجابية، وليس دليلا على الضعف والسلبية، تماما مثلما نقوم بتقييم أي عمل عند نهايته، فنحن ننظر إلى النتائج من منظور مدى قدرة تلقي التلميذ واستيعابه للدروس وبالتالي الحكم على نتائجها، وليس القيام بعملية إقصاء بسبب عجزه عن التوصل إلى إجابات صحيحة، فمسؤولية التلميذ هنا هي الإجتهاد وإتقان العملية التعلٌمية، والخروج بحصيلة تمكننا من معرفة مستواه التعليمي، وليس الحكم على قدراته وإمكانياته العقلية والفكرية بشكل عام بالنجاح أو الفشل، لأنه قد يتمكن من الحصول على نتائج إيجابية في مجالات أخرى وينجح في تحقيق ذاته فيما عجز عنه بخصوص امتحانات الباكالوريا.
إن فشل التلميذ في اجتياز الباكالوريا ليست دليلا على كسله، ونجاحه ليس معيارا على تفوقه، وبالتالي لاينبغي أن نصدر بشأنه قرارا نصادر من خلاله حقه في متابعة دراسته وتعليمه وتكوينه، فالفشل بداية جديدة وانطلاقة ثانية إلى الأمام، وإذا عجز التلميذ عن النجاح في اختبار الباكالوريا، فقد يكون مستعدا لاجتياز اختبارات أخرى في مسيرة حياته، فهناك العديد من الأشخاص حققوا أحلامهم وطموحاتهم دون الحصول على شهادة الباكالوريا وقد ظهر عليهم النبوغ والعبقرية، وهذا لم يتسنى لأناس آخرون يمتلكون الشهادة ذاتها.
ليس هذا تثبيطا لعزائم من وفق في اجتياز امتحان الباك، بالعكس على المرء أن يجد ويجتهد ويبذل قصارى جهده أثناء الإمتحان، وليستعد بعد ذلك لتقبل النتيجة مهما كانت، دون أن يؤثر الفشل على طموحه أو يلوم نفسه ويعاتبها لأن أقرانه خلقوا الحدث بالنجاح في الباك في حين فشل هو، ومن ثم يحكم على نفسه بمغادرة معترك الحياة والركون إلى الحزن والقلق وتأنيب الضمير.
صحيح أن الحصول على شهادة الباكالوريا تفتح آفاقا مهمة في وجه حامليها، لكن الفشل في الحصول عليها لايعني نهاية العالم.