بين براثن الإدمان والضياع… قصة أم شابة وطفلة على هامش الحياة…

بقلم: صفاء أيت لشكر

 

في زقاقٍ ضيقٍ من أزقة دوار سيدي مبارك بمراكش، خلف جدران متآكلة لبيت فقير بالكاد يُصنَّف مأوى، بدأت ملامح الحكاية التي لا تشبه غيرها… هناك وُلدت مأساةٌ لا تزال تنمو بصمت، بطلتها شابة تُدعى “م”، يتيمة النسب، متبناة، منسية من سجلات الرعاية، لا سند لها سوى عجلة القدر التي دهستها دون رحمة.

كانت “م.” مجرد طفلة عندما احتضنتها سيدة كفيلة، منحتها شيئًا من الدفء والحنان، قبل أن تخطفها يد الموت فجأة، وتجد نفسها بين مخالب الشارع، بلا مأوى، ولا حماية، ولا مَن يسأل: من هذه؟ ولماذا ؟

مرت سنوات على “م.” وهي تتنقل من رصيف إلى رصيف، ومن نظرة تحقير إلى أخرى، حتى صارت تعيش على هامش الحياة… هامش لا يُرى، ولا يُسمع.

وأنجبت الضحية، ضحية أخرى.

صارت أماً عازبة، ومعها طفلتها ذات العامين، طفلة لا ذنب لها سوى أنها وُلدت من أم أنهكها الشارع، وسلبها الإدمان كل معاني الإدراك.

دخلت الأم دوامة المهلوسات والمخدرات حتى غابت عن الواقع، وتحوّلت إلى جسد هش، يُرثى له، تُقذفه الأرصفة والليالي القاسية بلا رحمة، حتى بلغت بها الحالة حدًّا خطيرًا.

وفي لحظة ما، نُقلت إلى مستشفى الأمراض العقلية أثر حرقها الغرفة التي تسكنها  تحت تأثير المخدرات  “أمرشيش”، وهناك… لم تجد العلاج بل المزيد من التيه.

تُركت بين نزلاء المختلين عقليًا، وحُقنت بجرعات مهدئة مفرطة، لم تُراعِ حالتها، ولم تُحاول إنقاذها من الإدمان.

لم تكن بحاجة لمهدئات، بل لحضن إنساني، لمؤسسة علاجية تعيدها إلى ذاتها… لكنها خرجت من هناك كما دخلت، بل أسوأ.

اليوم، عادت الأم وابنتها إلى العراء والغرفة المهجورة ، إلى الشارع نفسه، والألم نفسه، والدوامة التي لا نهاية لها.

تقول إحدى الجارات، ممن شهدن على فصول هذه المأساة عن قرب وبأدق تفاصيلها

“الفتاة لا تزال في العشرينات، شابة في عمر الزهور… لا نريدها أن تضيع. نناشد السلطات أن تتدخل عاجلاً، لوضعها في مستشفى متخصص لمحاربة الإدمان، قبل فوات الأوان.”

لكن القصة لا تقف عند الأم، بل تمتد كجذر مسموم إلى الطفلة الصغيرة، التي تمشي حافيةً خلف أمها، وسط الغرباء والمخاطر، ضحية بريئة يُهددها الفقر، والإهمال، والإدمان، والخطف، والاعتداء الجسدي

طفلة لو لم تُنقذ اليوم، قد تُصبح في الغد نسخة أكثر ألمًا من أمها.

نداء إنساني إلى الضمير والمسؤولين…

ما يحدث في دوار سيدي مبارك ليس حالة فردية، بل صورة صادمة لواقع تختبئ فيه عشرات القصص خلف الصمت.

قصة “م.” وطفلتها ليست فقط مأساة إنسانية، بل مسؤولية قانونية، وأخلاقية، واجتماعية.. لذا نناشد من هذا المنبر السلطات المعنية من مندوبيات الرعاية الاجتماعية، وزارة الصحة ،المصالح المحلية في مراكش، و صولا إلى المنظمات والجمعيات الإنسانية

أن يلتفتوا فورًا إلى هذه الشابة وابنتها، ويوفروا لها:

علاجًا من الإدمان في مركز متخصص،إيواءً آمنًا،رعاية اجتماعية ونفسية لها ولطفلتها

فكل تأخير، هو خطوة نحو كارثة مستقبلية…

في دوار سيدي مبارك، ليست هناك فقط قصصٌ تُروى، بل أرواحٌ تُستغاث.

والسؤال هنا ليس: من المسؤول؟ بل: متى نُصبح مسؤولين؟

قبل أن تكبر الطفلة… في الشارع نفسه… لتُعيد المأساة نفسها… بحذافيرها و يكرر العود الأبدي نفسه و يعزف سيمفونينه الدامية .

 

Comments (0)
Add Comment