بقلم صفاء ايت لشكر
لم يعد العالم يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الإثارة. صارت الكلمة اليوم لا تُقال لتعبّر، بل لتُثير السياسيون، المؤثرون، والوعّاظ الجدد، جميعهم يتقنون اللعبة ذاتها، قول ما لا يُنتظر قوله،في زمنٍ يُقاس فيه الوجود بعدد المشاهدات، صار الاستفزاز لغة البقاء…
السياسي الذي لا يخطب ليقنع، بل ليُحدث صدى. والمتحدث باسم القيم لا يعظ ليربي، بل ليُشعل نقاشاً يرفعه في الترند، صرنا أمام خطابٍ يركض خلف الأضواء أكثر مما يركض خلف الفكرة، حتى أصبحت الكلمات نفسها أدواتٍ للدعاية، تُستخدم لتغذية الغضب لا لإطفائه.
الجمهور المنهك…
لكن الحكاية لا تكتمل دون جمهورها. نحن لسنا مجرد متفرجين على هذا المشهد، بل جزء منه. الجمهور اليوم منهك، متعب من الأخبار المتلاحقة، من الجدالات العقيمة، من فيضان الآراء الذي لا ينتهي. ومع ذلك، يجد نفسه منجذباً بشكلٍ غريب إلى ما يستفزه. وكأننا جميعاً صرنا مغناطيساً للضجيج، نُسحب إليه رغم وعينا، نغضب، نعلّق، ثم نعود في اليوم التالي لنكرر الدورة ذاتها.
لقد تحوّل الاستفزاز إلى نوعٍ من الإدمان الجمعي. كلّما شعر الناس بالملل، احتاجوا إلى جرعة جديدة من الجدل ليشعروا بأنهم “يعيشون”. وهكذا، صار الانفعال الجماعي بديلاً عن التفكير، وصار الغضب أسرع طريق للشعور بالانتماء…
خطاب يطارد الانتباه…
في السياسة، لم يعد الخطاب يبحث عن الحلول، بل عن ردود الفعل. يكفي تصريح مثير للغضب أو جملة مبهمة كي يشتعل النقاش على الشاشات. هذا الانفجار المتكرر في الرأي العام صار وسيلة للحكم، وللوجود، وللتسويق. وفي العالم الرقمي، يكرر المؤثرون التجربة ذاتها: كل صدمة تُعيدهم إلى الواجهة، وكل جدل ينعش شهرتهم.
لنصل إلى جمهور متعب يستهلك الصراخ أكثر مما يستوعب ، بل عن الشعور اللحظي الذي تمنحه لهم العناوين الصاخبة. ومع الوقت، أصبحنا نعيش داخل حلقة مغلقة من الإثارة والإرهاق، نغذيها نحن بأصابعنا وتعليقاتنا وانفعالاتنا.
حين ينهك الصخب الوعي
في عمق هذه الفوضى، يبدو العالم كمن فقد توازنه بين الحاجة إلى الحقيقة والخوف من الهدوء. فالسكينة لم تعد تغري أحداً، والاعتدال صار يُقرأ كضعف. ومع ذلك، هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: الإنسان، مهما انجرف في زحام الضجيج، يحنّ في أعماقه إلى صوتٍ نقي يُشبهه.
ربما صار الاستفزاز وسيلة للبقاء في الصورة، لكن الثمن كان باهظاً: جمهورٌ متعب، ووعيٌ مثقل بالضوضاء، ومجتمعٌ يركض من جدلٍ إلى آخر …