من أين نبدأ ترميمك يا آسفي… ؟؟!!

النهضة الدولية بقلم محمد اعويفية

لا، ليس من الشاحنات التي تزيل الوحل أمام عدسات الكاميرات، ولا من التصريحات المتأخرة التي تساوي بين الكارثة والقدر. بل يعاد الترميم من سؤال الأكثر احراجا: لماذا تركت المدينة العتيقة بلا ظهر، عارية حتى ابتلعها الماء؟

الفيضان لم يكن مفاجأة، بل فضيحة مؤجلة. المطر لم يخن أحدا، الذي خان هو التخطيط، وخانت الصيانة، وخانت يد الاهمال التي كانت ترى الخطر في التقارير وتدفنه في الأدراج. المدينة لم تغرق هكذا فجأة، بل أغرقت ببطء، سنة بعد أخرى، حين صرفت الميزانيات سدى في المهرجنات بكل أصنافها ، لا في مجاري المياه، ولا في تقوية وصيانة الطرق ،و كذلك حين اعتبر التحذير خرافة ،والوقاية وزر ثقيل لاقدرة لأحد عليه.

زعموا ان التدخل سيبدأ فورا . لكن أي تدخل هذا؟
تدخل يعيد الترميم وإعادة الهيكلة فوق نفس الخطأ؟
أم ترقيع يجمل الواجهة ويترك الجرح الغائر مفتوحا تحتها؟

لا مدينة ترمم دون وقفة حقيقية مع الذات أولا . لا يكفي أن نعد الخسائر ونحصي الضحايا . الفيضان كشف أسماء لا تذكر، وقرارات لا تراجع، وسلسلة إهمال بدأت من مكتب مكيف وانتهت بمدينة مدمرة وأرواح وممتلكات ضاعت .

أين الإنسان وسط كل هذا المشهد العنيف؟
أين الحرفيون والتجار الصغار الذين جرفت السيول أدوات رزقهم؟
أين الأحياء الأخرى الهامشية التي لايعرفها السياسيون إلا وقت الانتخابات ؟

يعاد ترميم المدينة فقط حين نفهم أن المشكلة ليست في غضب الطبيعة، بل في هذا المسؤول المنتخب. في صمته قبل الكارثة ، وظهوره بعدها لالتقاط الصور. المدينة لا تحتاج خطابات تعزية، بل تحتاج قطيعة مع منطق النعامة الأخرق.

الترميم الحقيقي يبدأ حين
نعيد رسم ملامح المدينة بعقل يحترم الجغرافيا وقوة الطبيعة في سباتها العميق ، لا بعقل يتحداها ثم يشتكي منها وقت صحوتها المباغتة. وكذلك حين نفهم ونعي جيدا أن كل فيضان قادم هو اتهام جديد لنا أجمعين، لا حادثا عابرا.
من هنا يعاد ترميم المدينة، من طرد الخوف ،و كسر الصمت،من تسمية المسؤوليات بأسمائها،
ومن رفض الترميم فوق أنقاض الكذب وما إليه.

Comments (0)
Add Comment