بقلم: د. سمير أشقر
في مشهد هادئ خالٍ من الضجيج الإعلامي، التُقطت صورة جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، السيد ناصر بوريطة، خلال لحظة توقيع رسمية حملت دلالات سياسية تتجاوز إطارها البروتوكولي.
الصورة، التي سرعان ما انتشرت في المنصات الإخبارية ووسائل التواصل، لا تُظهر فقط مسؤولين يوقعان وثائق، بل تعكس نمطًا من الدبلوماسية المباشرة التي تُدار خلف الطاولات الهادئة، بعيدًا عن الشعارات الصاخبة وحروب البيانات.
لحظة هادئة في زمن دولي مضطرب
تأتي هذه اللقطة في سياق دولي بالغ الحساسية، يتسم بتصاعد الأزمات الجيوسياسية، وتراجع منسوب الثقة في المؤسسات متعددة الأطراف، وعودة منطق التوازنات الصلبة إلى واجهة القرار العالمي.
وفي هذا المناخ المعقّد، يكتسب أي لقاء رفيع المستوى بين واشنطن والرباط بعدًا خاصًا، باعتبار المغرب شريكًا استراتيجيًا يتمتع بمصداقية سياسية واستقرار مؤسساتي جعلاه فاعلًا محوريًا في قضايا السلم الإقليمي والدولي.
دبلوماسية مغربية تقوم على الهدوء والوضوح
يحمل حضور ناصر بوريطة في هذا المشهد دلالة واضحة على استمرارية النهج الدبلوماسي المغربي، القائم على:
الحوار المباشر بدل التصعيد
الوضوح السياسي دون ازدواجية
الدفاع عن المصالح الوطنية ضمن منطق الشراكة لا الاصطفاف
وهو ما مكّن الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة من بناء شبكة علاقات متوازنة مع القوى الدولية، رغم التحولات المتسارعة في موازين النفوذ.
التوقيع… فعل سياسي لا بروتوكول شكلي
في العرف الدبلوماسي، لا يُنظر إلى التوقيع بوصفه إجراءً شكليًا، بل باعتباره تتويجًا لمسار تفاوضي، ورسالة سياسية موجهة إلى الداخل والخارج على حد سواء.
فالوثائق التي تُوقَّع أمام العدسات غالبًا ما تكون ثمرة نقاشات طويلة، تُدار بعيدًا عن الكاميرات، حيث تُوزن المصالح بدقة، وتُحسب انعكاسات كل خطوة على الأمن والسلم الدوليين.
ومن هذا المنطلق، تبدو الصورة وكأنها تؤكد أن صناعة القرار الحقيقي لا تتم عبر الخطابات الانفعالية أو الحملات الدعائية، بل عبر الدبلوماسية الهادئة القائمة على العقل والحوار.
رسائل ما وراء الصورة
تحمل هذه اللقطة عدة رسائل سياسية غير مباشرة، من أبرزها:
أن قضايا السلام لا تُدار بالاستقطاب، بل بالتواصل.
أن الشراكات الدولية الفاعلة تُبنى على الثقة المتبادلة.
أن الدول الجادة تُقاس بأفعالها لا بشعاراتها.
وفي مقابل هذا النهج، تبرز هشاشة بعض الأنظمة التي لا تزال تراهن على التضليل والبروباغندا بدل العمل الدبلوماسي المؤسسي.
بين الرمزية والواقع
قد تبدو الصورة في ظاهرها مشهدًا رسميًا عابرًا، لكنها في عمقها تختصر فلسفة كاملة في إدارة العلاقات الدولية:
هدوء في الشكل، وعمق في المضمون، وتأثير يتجاوز اللحظة.
ففي عالم لم يعد يحتمل المغامرات السياسية، تصبح مثل هذه اللحظات الهادئة مؤشرات على اتجاهات كبرى تُرسم بصمت… وتُقرأ آثارها لاحقًا في موازين السلم والاستقرار الدولي.
صورة واحدة، توقيع واحد، لكن خلفهما حسابات دقيقة، ورسائل سياسية، ودبلوماسية تُفضّل أن تعمل بصوت منخفض… لأن ما يُنجَز بهدوء غالبًا ما يدوم أطول.