المدرسة العمومية بين منطق الإصلاح وخطاب التشكيك المجاني.

رأي تربوي: بقلم عبدالهادي بودى
.
في كل مرة تخطو فيها المدرسة العمومية خطوة إلى الأمام، وفي كل مرة تنجح مؤسسة تعليمية في بث روح التحفيز، وإشاعة ثقافة الاعتراف، وتشجيع التميز، يظهر من بين الضجيج من يصرّ على أن يقرأ كل مبادرة ناجحة بعين الشك، وأن يفسر كل فعل تربوي بمنطق الريبة، وأن يحاكم مجهودات الميدان التربوي بأدوات لا علاقة لها لا بالعلم، ولا بالبيداغوجيا، ولا بأخلاقيات النقد المسؤول.

ولعل من أكثر ما يثير الأسف في هذا السياق، أن بعض الأصوات التي لا تمتلك أدنى تكوين جاد في علوم التربية، ولا خبرة فعلية بمسارات التعلم، ولا دراية بمقاربات التحفيز والتقويم والتنشيط التربوي، باتت تمنح نفسها سلطة الحديث باسم “العدالة المدرسية”، وتوزيع الاتهامات، وإطلاق الأحكام التعميمية، وكأن المؤسسة التعليمية العمومية فضاء مفتوح لكل من شاء أن يقتحم قضاياها بمنطق الانطباع والادعاء.

إن ما يروج أحيانا تحت عنوان “ظاهرة المحاباة في المدارس العمومية” لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد رأي بريء أو ملاحظة عابرة، لأن خطورته لا تكمن فقط في سطحية طرحه، بل في كونه خطابا مشحونا بالإيحاءات الجاهزة، والتعميمات المضللة، والاتهامات غير المؤطرة بأي سند واقعي أو مهني أو قانوني.

بين النقد المسؤول والافتراء المقنع:
ليس كل كلام يقال في قضايا التعليم يعتبر نقدا، وليس كل من كتب فقرة عاطفية عن المدرسة يصبح مؤهلا للحديث في تعقيداتها. فالنقد التربوي الحقيقي لا يبنى على التعميم ، والتشكيك، والتسطيح ، واللغة الانفعالية، بل على المعطيات، والسياقات، والتحليل الرصين، والاقتراح المسؤول.
أما حين يرمى كلام من قبيل “في كثير من المدارس” دون إحصاء، ولا وقائع موثقة، ولا تقارير، ولا حالات محددة، ولا شكايات خضعت لمساطر التتبع أو التحقيق، فنحن لا نكون أمام تشخيص موضوعي، بل أمام اتهام فضفاض يراد به غالبا إثارة الانتباه، أو صناعة التفاعل، أو تسويق خطاب تبخيسي على حساب صورة المدرسة العمومية والعاملين بها.
وهنا ينبغي أن تقال الحقيقة بوضوح:
التعميم غير المؤسس على الوقائع ليس شجاعة، بل إساءة. والتشكيك غير المبني على الأدلة ليس وعيا، بل تضليل. أما الادعاء الأخلاقي حين ينفصل عن المعرفة والإنصاف، فإنه يتحول إلى شكل من أشكال العنف الرمزي ضد المؤسسات والأطر التربوية.
من الجهل التربوي أن يساوى بين التحفيز والمحاباة من أخطر المغالطات التي يروجها هذا الخطاب، أنه يخلط – عن جهل أو عن تبخيس الأعمال المشرفة أو عن سوء نية –
بين التحفيز التربوي المشروع والمحاباة المرفوضة.
فالمدرسة، في جوهرها، ليست فقط فضاء لتلقين الدروس وتوزيع النقط، بل هي أيضا مجال لبناء الدافعية، والثقة بالنفس، وروح المبادرة، والتنافس الإيجابي، والاعتراف بالمجهود الفردي والجماعي. ومن ثم، فإن تكريم المتفوقين، وتشجيع المجتهدين، وإشراك التلاميذ النشيطين في الأنشطة، وإبراز النماذج المتميزة، كلها ممارسات بيداغوجية معروفة ومؤطرة، وليست “مظاهر انحراف” كما يريد البعض أن يوهم الرأي العام.
إن من لا يميز بين التقدير التربوي والتمييز غير المشروع، ومن لا يفهم أن الاعتراف بالاجتهاد جزء من العدالة لا نقيض لها، إنما يكشف عن قصور فادح في فهم أبسط مبادئ التربية الحديثة.
بل إن المفارقة هنا مؤلمة: فحين يمنع التلميذ المجتهد من أن يكرم أو يحفز أو يبرز تفوقه، فقط حتى لا يغضب ذلك بعض الخطابات الشعبوية، فإننا نكون أمام ظلم تربوي مضاعف: ظلم في حق المتفوق الذي بذل جهدا يستحق التقدير، وظلم في حق باقي التلاميذ الذين يحتاجون إلى نماذج حية تلهب فيهم الرغبة في الاجتهاد والنجاح.
من يسيء إلى المدرسة لا يدافع عنها.
إن بعض من يرفعون اليوم شعار “حماية المدرسة العمومية” هم من أكثر من يسيئون إليها. فحين تقدم المؤسسة التعليمية، بلا دليل، على أنها فضاء للعلاقات والمحاباة والتفضيل غير العادل، فإن الذي يتضرر ليس فقط الأستاذ أو المدير أو الفريق التربوي، بل تتضرر صورة المدرسة نفسها في وجدان التلميذ والأسرة والمجتمع.
والأخطر من ذلك أن هذا الخطاب يزرع في وعي المتعلم فكرة مدمرة: أن النجاح لا تصنعه الجدية ولا الاجتهاد، بل “العلاقات”. وهذه الفكرة، إن تسربت إلى عقل الطفل أو اليافع، فهي لا تفسد فقط نظرته إلى المدرسة، بل تفسد نظرته إلى الاستحقاق، والعمل، والإنصاف، والثقة في المؤسسات.
ومن هنا، فإن من يشيع مثل هذه التصورات دون سند، لا يمارس “نقدا إصلاحيا”، بل يشارك – بوعي أو بغير وعي – في هدم الرأسمال الرمزي للمؤسسة التعليمية العمومية، وفي تقويض الثقة المجتمعية التي تعد شرطا أساسيا لأي إصلاح تربوي جاد.
المؤسسة التعليمية ليست مشاعا للمتطفلين.
المدرسة العمومية ليست فضاء عشوائيا تدار شؤونه بالأهواء، ولا مجالا مفتوحا للاتهامات السائبة. بل هي مؤسسة مؤطرة بـ نصوص تنظيمية، ومذكرات وزارية، وآليات للمراقبة والتتبع، ومساطر للتظلم والمعالجة، وأدوار واضحة للإدارة التربوية، وهيئات التفتيش، والمجالس التربوية، والشركاء المؤسساتيين.
ومن كانت لديه وقائع حقيقية، وشبهة اختلال مثبتة، فهناك قنوات واضحة ومشروعة: المراسلة، والتبليغ، والشكاية، والتظلم الإداري، واللجوء إلى الجهات المختصة. أما القفز فوق كل ذلك نحو التشهير الانطباعي، والتشكيك المجاني، والتأليب الرمزي ضد المدرسة، فليس إصلاحا، بل سلوك غير مسؤول، وقد يتحول في بعض الحالات إلى ممارسة تمس الاعتبار المعنوي والمهني للعاملين بالمرفق العمومي.
ومن المؤسف أن بعض من يمارسون هذا الأسلوب يظنون أن كل إساءة تكتب بلغة ناعمة تصبح “تحليلا”، وأن كل اتهام يصاغ في فقرة منمقة يتحول تلقائيًا إلى “حقيقة”. والحال أن الألفاظ المهذبة لا تطهر التعميم من خطورته، ولا تعفي الاتهام من مسؤوليته، ولا تمنح الجهل شرعية الحديث باسم الخبرة.
المدرسة العمومية تشتغل… رغم الضجيج.
وسط هذا الضباب المفتعل، لا بد من الإنصاف. فالمدرسة العمومية المغربية، بكل ما يحيط بها من تحديات وصعوبات وإكراهات، لا تزال تحتضن في صمت رجالا ونساء يشتغلون بضمير، ويجتهدون، ويواكبون، ويبتكرون، ويضحون، ويبحثون عن أنجع السبل للرفع من جودة التعلمات، وإعادة المعنى للفعل التربوي، وبناء بيئة مدرسية أكثر تحفيزا وعدلا وإنصافا.
كما أن المقاربات التربوية والبيداغوجية التي تعتمدها المؤسسات التعليمية اليوم ليست اجتهادات مرتجلة، ولا مزاجا فرديا لهذا الأستاذ أو ذاك المدير، بل هي اختيارات تؤطرها رؤية إصلاحية، وتصورات مهنية، ومواكبة خبراء ومفتشين وأطر متخصصة في التربية والتعليم.
ولذلك، فإن اختزال كل هذا الجهد في عبارة مبتذلة من قبيل “مظاهر المحاباة” ليس فقط اختزالا ظالما، بل هو أيضا دليل على ضحالة النظر إلى الشأن التربوي، وعلى عجز بعض الخطابات عن استيعاب أن المدرسة فضاء معقد، يتقاطع فيه البعد المعرفي بالقيمي، والتعليمي بالوجداني، والتحصيلي بالتحفيزي.
لسنا ضد المحاسبة… بل ضد الرداءة المقنعة في هيئة وعي.
من الضروري التأكيد على نقطة جوهرية: الدفاع عن المدرسة العمومية لا يعني أبدا تقديسها أو تبرئة أي ممارسة خاطئة إن ثبتت. فكل انحراف حقيقي، أو تجاوز مؤكد، أو سلوك غير منصف، يجب أن يواجه بالحزم، والمساءلة، والمعالجة القانونية والتربوية اللازمة.
لكن في المقابل، من الواجب أيضا أن نرفض – وبنفس الحزم – تحويل الظنون إلى وقائع، والانطباعات إلى أحكام، والاتهامات الفضفاضة إلى سردية جاهزة توزّع على الرأي العام دون ضوابط.
فالمدرسة تحتاج إلى نقد يرفع منسوب الوعي، لا إلى ضجيج يرفع منسوب الريبة. وتحتاج إلى إصلاح يستند إلى الفهم والتخصص، لا إلى مزايدات لفظية تسوق الرداءة في هيئة غيرة على المصلحة العامة.
وفي الأخير:
ليست المدرسة العمومية في حاجة إلى من يتحدث عنها كثيرا وهو لا يعرفها، بل إلى من يفهمها قبل أن يحاكمها، وينصفها قبل أن يبتزها رمزيا، ويشارك في تقويمها لا في تشويهها.
ولمن يصرون على ارتداء عباءة “العدالة” لتسويق الجهل والاتهام المجاني، نقول: ليس كل من صرخ في وجه المؤسسة كان نصيرا للحق. وليس كل من أكثر من الكلام، كان أكثر فهما. وليس كل من كتب ضد المدرسة، كان أحرص عليها من أهلها.
فالمدرسة العمومية، رغم ما يحيط بها من حملات تبخيس وتشكيك، ستظل فضاء لبناء الإنسان، وصناعة الأمل، وترسيخ الاستحقاق، وتربية الأجيال. أما الذين يقتاتون على الشك، ويعيشون على جلد المؤسسات، فسيظلون – مهما علا ضجيجهم – خارج الفعل الحقيقي، لأن من يصنع التربية لا يملك دائما الوقت للضجيج… لكنه يملك دائما شرعية الأثر

Comments (0)
Add Comment