20/04/2026
مقال اليوم الحادي عشر من سلسلة المسابقة الدولية للاتحاد العالمي للتنمية والحرية والسلام
بقلم سمير أشقر
اعلامي و سفير سلام دولي
لم يعد الإعلام كيانًا واحدًا يمكن الإمساك به بسهولة، ولا صوتًا واحدًا يحدد ما نعرفه وكيف نفهمه. لقد أصبح فضاءً واسعًا، تتعدد فيه المنابر، وتتشابك فيه الرسائل، حتى صار من الضروري أن نفهم أنواعه… لا من باب المعرفة فقط، بل من باب حماية وعينا.
في صورته الأولى، يقف الإعلام التقليدي كأقدم الأشكال وأكثرها رسوخًا. التلفزيون، الإذاعة، الصحف… أدوات شكّلت وعي أجيال كاملة، وارتبطت بالمهنية والضوابط. لكنه، رغم قوته، ظل في الغالب أحادي الاتجاه؛ يرسل الرسالة، وينتظر التلقي.
ثم جاء التحول الكبير مع الإعلام الرقمي، حيث لم تعد المعلومة حكرًا على جهة واحدة، ولم يعد الجمهور مجرد مستقبل. بضغطة زر، أصبح كل فرد قادرًا على النشر، والتأثير، والمشاركة. وهنا، تحررت الكلمة… لكنها في الوقت نفسه أصبحت أكثر عرضة للفوضى.
ومن قلب هذا العالم الرقمي، برز الإعلام الاجتماعي كقوة لا يمكن تجاهلها. منصات تُبنى على التفاعل، وعلى سرعة الانتشار، وعلى صناعة “الترند”. هنا، لا تنتشر الفكرة لأنها الأصح دائمًا، بل لأنها الأكثر جاذبية أو إثارة. وهنا أيضًا، يصبح الوعي على المحك.
وفي الجهة الأخرى، يظهر الإعلام البديل، كصوت خارج القنوات الكبرى، يسعى لتقديم روايات مختلفة، أو لكسر احتكار المعلومة. قوته في استقلاليته، لكن تحديه في المصداقية، خاصة في غياب معايير واضحة.
كما لا يمكن إغفال الإعلام المتخصص، الذي يغوص في مجالات دقيقة كالعلم، والاقتصاد، والثقافة. هذا النوع لا يخاطب الجميع، لكنه يمنح عمقًا لمن يبحث عن الفهم الحقيقي، بعيدًا عن السطحية.
وفي ظل كل ذلك، يبرز نوع آخر أكثر تأثيرًا وخطورة: الإعلام التوجيهي (الدعائي)، الذي لا يكتفي بنقل المعلومة، بل يسعى لتوجيهها. يعتمد على العاطفة، وعلى التكرار، وعلى السرد الذكي، ليصنع قناعات قد تبدو لنا طبيعية… وهي في الأصل مُصاغة بعناية.
وبين كل هذه الأنواع، يظهر الإعلام التفاعلي، حيث لم يعد الجمهور خارج المشهد، بل أصبح جزءًا منه. يعلّق، يشارك، يصوّت، ويؤثر. وهنا تتداخل الأدوار، ويصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين صانع المحتوى ومتلقيه.
لكن وسط هذا التنوع، يبرز سؤال أعمق:
هل المشكلة في تعدد أنواع الإعلام… أم في طريقة تعاملنا معها؟
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في معرفة هذه الأنواع فقط، بل في فهم تأثيرها علينا. لأن الإعلام، مهما اختلف شكله، يلتقي في نقطة واحدة: تشكيل الوعي.
وفي عالمٍ تتعدد فيه الأصوات، لا يكفي أن نستمع… بل يجب أن نُحسن الاختيار.
لا يكفي أن نرى… بل يجب أن نفهم ما وراء ما نرى.
في النهاية، قد لا نستطيع التحكم في كل ما يُنشر،
لكننا نستطيع أن نتحكم في ما نسمح له أن يُشكّلنا.
وهنا تبدأ الحرية الحقيقية.