هكذا يكتبها الحبر هذه المرة، لا كعبارة عابرة، بل كصرخة مثقلة بخيبة امل تتسلل من بين سطور واقع عربي يتغير بسرعة مقلقة.
لم يعد المشهد كما كان. عواصم كانت توصف يوما بكونها سندا سياسيا وماليا للقضايا العربية الكبرى، تبدو اليوم منشغلة بحسابات اخرى، حيث تتقدم لغة المصالح الباردة على دفء المواقف التاريخية. لم يعد السؤال من يقف مع من، بل ماذا تبقى من ذلك الاصطفاف الذي كان يمنح المنطقة شيئا من التوازن.
في قلب هذا التحول، تبرز القضية الفلسطينية كاختبار حقيقي. لم تعد حاضرة بنفس الزخم، ولا بنفس الاجماع. هناك فتور واضح، وصمت احيانا، ومواقف محسوبة بدقة لا تشبه ذلك الاندفاع الذي كان يميز مرحلة سابقة. وكأن البوصلة اعيد ضبطها على اتجاهات جديدة، عنوانها التحالفات والصفقات، لا الشعارات والالتزامات.
التحول لا يقف عند حدود السياسة فقط، بل يمتد الى الخطاب الاعلامي والوجدان الشعبي. ما كان يعتبر ثابتا، اصبح قابلا للمراجعة، وما كان خطا احمر، بات موضوعا للنقاش. في هذا السياق، يبدو ان المنطقة تعيش اعادة تشكيل عميقة، تعيد توزيع الادوار وتعيد تعريف الاولويات.
لكن السؤال الاكثر الحاحا: ما الثمن؟ هل يمكن للمنطقة ان تحافظ على توازنها دون حد ادنى من التوافق؟ وهل يمكن تجاوز القضايا الكبرى دون ان تترك ندوبا في الذاكرة الجماعية؟
“وداعا يا دول الخليج” ليست اعلانا عن قطيعة، بل توصيف لحالة تباعد تتسع يوما بعد يوم. هي جرس انذار اكثر منها حكما نهائيا، ومحاولة لقراءة واقع يتشكل بعيدا عن العناوين القديمة.
في النهاية، قد لا يكون الوداع كاملا، لكن المؤكد ان شيئا ما قد تغير… وربما الى الابد.





إرسال تعليق