الدبلوماسية في عصر الخوارزميات: هل اغتال “طوفان المعلومات” شجاعة المكاشفة السياسية؟

  • بتاريخ : أبريل 29, 2026 - 3:19 م
  • الزيارات : 1
  • بقلم: سمير أشقر
    مندوب جريدة النهضة الدولية
    “إن صناعة السلام لا تتطلب فقط شجاعة الجلوس مع الخصم، بل تتطلب اليوم شجاعة أكبر لمواجهة خوارزميات صُممت لتتغذى على الانقسام.”
    في يوليوز 1986، اتخذ الملك الراحل الحسن الثاني قراراً استثنائياً في تاريخ الدبلوماسية العربية. فبعد انتهاء قمة إفران التي جمعته برئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك شيمون بيريز، والتي اصطدمت بتعنت الموقف الإسرائيلي، اختار العاهل المغربي أن يخاطب شعبه مباشرة عبر التلفزيون الوطني، واضعاً الرأي العام أمام حقيقة ما جرى. كانت تلك لحظة نادرة من المكاشفة السياسية؛ لحظة سبقت زمنها، وأسقطت سرديات التخوين قبل أن تجد طريقها إلى التداول.
    لكن، وبعد أربعة عقود تقريباً، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: هل لا تزال هذه الشجاعة ممكنة في عصرنا الرقمي؟ أم أن البيئة الإعلامية الجديدة جعلت من المكاشفة المباشرة مغامرة سياسية عالية الكلفة؟
    من الخطاب الأحادي إلى طوفان السرديات
    في ثمانينيات القرن الماضي، كان الخطاب السياسي يتمتع بقدر كبير من المركزية. حين يتحدث رئيس دولة، كانت الرسالة تصل إلى الجمهور في صيغتها الأصلية، أو على الأقل قبل أن تتعرض لتشويش واسع. أما اليوم، فقد تبدل المشهد جذرياً. لم يعد التحدي في الوصول إلى المعلومة، بل في النجاة من فائضها.
    المشكلة لم تعد في الصمت، بل في الضجيج. فكل تصريح سياسي بات يدخل فوراً في دوامة لا تنتهي من الاجتزاء والتأويل وإعادة التدوير. خلال دقائق، تتحول الرسالة الواحدة إلى عشرات النسخ المتنافسة، كل منها يعكس تحيزاً أو مصلحة أو قراءة انتقائية. وهكذا، تفقد المكاشفة السياسية قدرتها على توحيد الفهم، وتتحول إلى مادة خام للاستقطاب.
    حين تقرر الخوارزميات ما يجب أن نفكر فيه
    التحول الأخطر لا يكمن فقط في تعدد المنابر، بل في انتقال سلطة الترتيب والتأثير إلى الخوارزميات. لم تعد غرف الأخبار وحدها من تحدد ما يستحق الاهتمام؛ بل أصبحت المنصات الرقمية، عبر معادلاتها المعقدة، هي من تقرر ما نراه أولاً، وما نتجاهله.
    هذه الخوارزميات لا تكافئ الخطاب المتزن أو التحليل العميق. إنها، ببساطة، تفضل ما يثير الانفعال: الصدام، الغضب، الخوف، والدهشة. لذلك، تجد الرسائل الدبلوماسية الرصينة نفسها في منافسة غير عادلة مع الأخبار الزائفة والمحتويات المتطرفة.
    إنها معركة غير متكافئة بين منطق الدولة ومنطق المنصة؛ بين من يسعى إلى بناء التوافق، ومن صُمم لزيادة التفاعل، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة.
    الدبلوماسية تحت ضغط “التريند”
    في هذا السياق، لم يعد مستغرباً أن تتراجع الدبلوماسية العلنية لصالح المفاوضات المغلقة. فالقادة اليوم لا يخشون فقط سوء الفهم، بل يخشون أيضاً المحاكمة الفورية في محكمة الرأي العام الرقمي.
    أصبحت كل كلمة محسوبة، وكل تصريح خاضعاً لاختبارات مسبقة، وكل مبادرة رهينة بردود فعل لحظية قد تصنعها موجة عابرة أو حملة منظمة. وبدلاً من روح المبادرة، حلّ منطق إدارة المخاطر. وبدلاً من المكاشفة، برزت “هندسة الصورة” و”إدارة الانطباع”.
    هكذا، لم تعد السياسة تُمارس فقط في غرف التفاوض، بل أيضاً في فضاءات رقمية متقلبة، حيث يمكن لمنشور واحد أن يعصف بسنوات من التحضير.
    هل ماتت شجاعة المكاشفة؟
    ليس تماماً. لكنها أصبحت أكثر كلفة، وأكثر تعقيداً، وأشد حاجة إلى بيئة واعية تستوعبها.
    فالمكاشفة اليوم لا تحتاج فقط إلى قائد يمتلك الجرأة، بل إلى مجتمع يمتلك المناعة الفكرية. مجتمع قادر على التمييز بين الحقيقة والتضليل، وبين التحليل والتلاعب، وبين النقد المشروع وحملات التشويه.
    إن الدرس الأعمق من تجربة إفران لا يكمن فقط في جرأة القرار، بل في الثقة التي كانت قائمة بين القيادة والرأي العام. تلك الثقة هي الشرط الأول لأي مكاشفة ناجحة.
    خاتمة
    لم تغتل الخوارزميات شجاعة المكاشفة السياسية، لكنها رفعت ثمنها إلى حد غير مسبوق. ففي عالم تتحكم فيه الآلات في تدفق الانتباه، تصبح الحقيقة بحاجة إلى أكثر من مجرد إعلان؛ تصبح بحاجة إلى وعي يحميها.
    وإلى أن تستعيد المجتمعات سيادتها الفكرية من قبضة الخوارزميات، ستظل المكاشفة السياسية فعلاً نادراً، لا لأن القادة يفتقرون إلى الشجاعة، بل لأن العصر نفسه أصبح أقل تسامحاً مع الحقيقة العارية.