بقلم: الدكتور والأستاذ مصطفى مستقيم
بين الشوق والصمت… حين يتحول الإحساس إلى صعودٍ بلا انحناء
في مشهد إنساني يتكرر بصمت داخل تفاصيل الحياة اليومية، تبرز حالة وجدانية معقدة تجمع بين الشوق المكبوت وكبرياء الصمت، حيث يتحول الإحساس إلى ما يشبه “خبرًا داخليًا” لا يُنشر، لكنه يترك أثره العميق في صاحبه.
وتكشف هذه الحالة عن تجربة شعورية يعيشها الكثيرون في صمت، حين يختار الإنسان أن يُخفي نداء الاشتياق داخل ذاته، وكأنه يطفئه كل مساء حتى لا يفضحه الغياب، ولا يطيل ليل الانتظار أكثر مما ينبغي.
وفي هذا السياق، تتجسد الكلمات التالية كنبض داخلي صادق، يصف هذا التناقض الهادئ بين الشوق والكتمان:
اشتاق
لكنني أخفي في داخلي ذلك النداء
أطفئه كل مساء
كي لا يفضحني الغياب
وكي لا يطول الليل أكثر مما ينبغي
وتبدو المشاعر هنا كما لو أنها تتحول إلى جمر خافت، يُخبأ في جيب الصمت، لكنه لا ينطفئ، بل يواصل اشتعاله الداخلي كلما حاول القلب النسيان، فيستحضر ما ظن صاحبه أنه انتهى.
وفي امتداد هذا الإحساس، تتعمق الحالة أكثر في وصف الصراع الداخلي الذي لا يُخاض ضد الحب، بل ضد الانكسار ذاته:
أمشي
وأخبئ اسمك في جيب صمتي
كجمرة لا تنطفئ
تحرقني كلما حاولت النسيان
وتوقظ في داخلي ما ظننته انتهى
وتشير هذه الحالة إلى صراع داخلي دقيق، لا يُخاض ضد الحب ذاته، بل ضد الانكسار الذي قد يولده، حين يصبح الشوق سؤالاً بلا جواب، والقلب يدًا ممدودة لا تجد من يلتقطها.
وفي هذا السياق، يكتسب الصمت معنى مختلفاً، ليس باعتباره فراغاً، بل كخيار يحمل قدراً من الوقار، حيث يتوارى الوجع خلف ستار الكبرياء، ويغدو الصبر شكلاً من أشكال الحماية الذاتية:
لست أحارب الحب
بل أحارب ذلك الانكسار
حين يتحول الشوق إلى سؤال
والقلب إلى يد ممدودة لا تجد جوابا
تعلمت أن الوجع أكثر وقارا
حين يختبئ خلف الصمت
وأن الكبرياء أحيانا
هو الشيء الوحيد الذي يبقي لنا ملامحنا
ويرى متتبعون لهذا النمط الإنساني من المشاعر أن مثل هذه التجارب تعكس عمق الصراع بين الرغبة في البوح والحاجة إلى التماسك، حيث يصبح الصمت موقفاً لا ضعفاً، والغياب شكلاً من أشكال الحضور الداخلي المختلف.
وفي ختام هذا المشهد العاطفي الصامت، يختار صاحبه المضي قدمًا، حاملاً ما تبقى من ذاته، في مسار أقرب إلى الصعود الهادئ، حيث يتحول عدم الانكسار إلى انتصار صامت:
اشتاق نعم
لكنني لا أطرق بابا أغلقته الأيام
ولا أعود إلى ظل تخلى عني
بل أمضي
أحمل ما تبقى مني
وأصعد بصمت
لأن الصعود دون انحناء
هو أجمل انتصار للقلب