مدينة الجديدة بين الآمال المعقودة وتعثر التنمية …

بقلم سمير أشقر
حين تحدث المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني عن الجديدة، لم يكن يتحدث عن مدينة عادية، بل عن فضاء واعد، يمتلك من المؤهلات البشرية والطبيعية والاقتصادية ما يؤهله ليكون نموذجاً تنموياً متفرداً. كانت رؤيته بعيدة المدى، قائمة على قناعة راسخة بأن هذه الأرض قادرة على أن تتحول إلى قطب اقتصادي وطني، بل إلى عاصمة اقتصادية ثانية للمملكة.

وقد تحققت بالفعل أجزاء مهمة من تلك الرؤية. فقد شهد الإقليم قيام ميناء الجرف الأصفر، واحتضن مشاريع صناعية كبرى جعلت من الجديدة أحد أهم المراكز الاقتصادية والصناعية في المغرب. غير أن ما كان يُنتظر أن يواكب هذا الزخم الاقتصادي من نهضة حضرية واجتماعية متكاملة، لم يتحقق بالقدر الذي كان مأمولاً.

اليوم، يجد المتأمل نفسه أمام مفارقة لافتة: مدينة تنتج الثروة، لكنها لا تجني من ثمارها ما يكفي. مدينة تساهم بقوة في الاقتصاد الوطني، بينما لا يزال جزء كبير من ساكنتها يشعر بأن التنمية لم تصل إلى تفاصيل حياتهم اليومية. فالبنيات التحتية في عدد من الأحياء لا ترقى إلى مستوى طموحات السكان، والخدمات العمومية تعاني من اختلالات واضحة، فيما تتعثر مشاريع طال انتظارها أو تُنفذ بوتيرة لا تواكب حاجيات مدينة تتوسع بسرعة.

لقد كان الأمل أن تتحول الجديدة إلى نموذج للتنمية المتوازنة، حيث تتكامل الصناعة مع جودة العيش، ويتعزز النمو الاقتصادي بالعدالة المجالية والاجتماعية. لكن الواقع يكشف عن اختلال في ترتيب الأولويات، وعن فجوة بين حجم الاستثمارات الكبرى وبين انعكاساتها المباشرة على الحياة اليومية للمواطن.

إن سوء تدبير بعض الملفات المحلية، وتأخر إنجاز مشاريع مهيكلة، وغياب رؤية حضرية مندمجة، كلها عوامل ساهمت في تكريس شعور متزايد بالإحباط لدى الساكنة. فمدينة بهذا الحجم وبهذه الإمكانات كان من المفترض أن تكون في طليعة المدن المغربية من حيث جودة الخدمات، وجمالية الفضاءات العمومية، وفعالية المرافق الأساسية.

ومع ذلك، فإن الجديدة لا تزال تملك كل المقومات التي تؤهلها لاستعادة مكانتها المستحقة. فهي مدينة غنية بتاريخها، قوية باقتصادها، ومفعمة بطاقات بشرية قادرة على صنع الفارق. وما تحتاجه اليوم هو إرادة تدبيرية جديدة، تقوم على الحكامة الجيدة، والإنصات لانتظارات المواطنين، وربط التنمية الاقتصادية بالتنمية الإنسانية.

إن الرهان لم يعد فقط على استقطاب المزيد من الاستثمارات، بل على حسن توظيف الثروة القائمة، وتحويلها إلى مشاريع ملموسة تلامس حياة الناس، وتعيد الثقة في العمل التنموي. فالجديدة التي حلم بها الحسن الثاني، تستحق أن تكون مدينة تزدهر فيها الصناعة، ويزدهر معها الإنسان أيضاً.

Comments (0)
Add Comment