فقدت الساحة الفنية المغربية والعربية، اليوم الجمعة 8 ماي 2026، واحدًا من أبرز أعمدتها التاريخيين، برحيل الموسيقار الكبير عبد الوهاب الدكالي، بعد مسيرة فنية امتدت لعقود طويلة، استطاع خلالها أن يرسخ اسمه كأحد أهم رموز الأغنية المغربية الأصيلة، وصوتًا حمل وجدان المغاربة إلى فضاءات عربية أوسع.
لم يكن عبد الوهاب الدكالي مجرد مطرب ناجح أو ملحن متميز، بل كان مدرسة فنية متكاملة، صنعت لنفسها هوية خاصة، تجمع بين عمق الكلمة، ورقي اللحن، ودفء الأداء. فمنذ بداياته الأولى، اختار أن يسير في طريق الفن الرفيع، مؤمنًا بأن الأغنية ليست مجرد ترفيه عابر، بل رسالة ثقافية وإنسانية تحفظ ذاكرة الشعوب وتعبّر عن أحلامها وآلامها.
ولد الراحل بمدينة فاس سنة 1941، في بيئة مغربية مشبعة بالتراث والموسيقى والأصالة. ومن هناك بدأت رحلته مع الفن، قبل أن ينتقل إلى عالم الاحتراف ويصبح أحد أبرز المجددين في الموسيقى المغربية الحديثة. امتلك صوتًا مميزًا يحمل شجنًا خاصًا، واستطاع أن يلامس مشاعر الجمهور بأغانٍ أصبحت جزءًا من الذاكرة الجماعية المغربية والعربية.
وعلى امتداد مسيرته، قدم الدكالي أعمالًا خالدة، من بينها “مرسول الحب”، “كان يا مكان”، “ما أنا إلا بشر”، و“قطار الحياة”، وهي أعمال لم تكن مجرد أغانٍ ناجحة، بل محطات فنية صنعت وجدان أجيال كاملة، وظلت حاضرة في البيوت المغربية والعربية رغم تغير الأزمنة والأذواق.
كما تميز الراحل بقدرته على المزج بين الأصالة المغربية والانفتاح الموسيقي العصري، دون أن يفقد هويته الفنية. وكان من الفنانين القلائل الذين حافظوا على قيمة الكلمة واللحن في زمن التحولات السريعة التي عرفها المجال الفني.
وفي سياق تخليد إرثه، أُنشئ متحف خاص يوثق مسيرته الإبداعية، يضم آلاته الموسيقية، ومخطوطات نادرة، وصورًا من مراحل مختلفة من حياته الفنية، إضافة إلى تسجيلات وأعمال أرشيفية تُعيد رسم ملامح رحلته الطويلة. وقد تحول هذا الفضاء إلى ذاكرة حيّة تحفظ ملامح فنان لم يكن حضوره مرتبطًا بالزمن، بل بالوجدان.
ويُطلق عليه وصف “الموسيقار” لأنه لم يكن مجرد مؤدٍ للأغاني أو صوتًا ينقل الكلمات، بل كان صانعًا حقيقيًا للموسيقى من داخلها. فالموسيقار هو من يبدع اللحن ويعيد تشكيله ويمنحه روحًا خاصة، ويشارك في بناء العمل الفني ككل، لا كجزء منه فقط، في حين يظل دوره أوسع من “المغني” أو “الموسيقي” لأنه يجمع بين التأليف والرؤية والإحساس الفني العميق.
لم يقتصر حضور عبد الوهاب الدكالي على كونه فنانًا صاحب رصيد غنائي غني، بل تجاوز ذلك ليصبح رمزًا إنسانيًا وثقافيًا ألهم أجيالًا متعاقبة من الفنانين الشباب. فقد كان نموذجًا للفنان الذي يجمع بين التواضع والصرامة الفنية، وبين الوفاء للهوية والانفتاح على التجديد، وظل حضوره مرجعًا تُقاس به جودة الأغنية المغربية الأصيلة.
برحيله، لا يغيب صوت فقط، بل يغيب زمن كامل من الصفاء الفني الذي كانت فيه الأغنية تُكتب بالقلب قبل الورق، وتُغنّى بالروح قبل الحنجرة. سيظل اسمه حاضرًا كلما أُعيد الاستماع إلى أعماله، لأن بعض الأصوات لا تُغادر الحياة، بل تبقى معلّقة في ذاكرة الشعوب كأنها لا تزال تُغنّي.
وفي هذا المصاب الجلل، تتقدم القلوب بخالص العزاء إلى أسرته الكريمة، وإلى جمهوره ومحبيه داخل المغرب وخارجه، سائلين الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدّمه من فن راقٍ ووجدان صادق في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه جميل الصبر وحسن العزاء.
وقد خلف خبر وفاته موجة واسعة من الحزن والتأثر داخل الأوساط الفنية والثقافية، حيث نعاه فنانون ومثقفون وإعلاميون، معتبرين أن المغرب فقد أحد آخر عمالقة الفن الأصيل.
ويبقى الفنانون الكبار، حتى بعد رحيلهم، أحياء في ذاكرة الشعوب، لأن الأصوات الصادقة لا تموت، بل تتحول إلى جزء من التاريخ والحنين والهوية.