من الإفطار الجماعي إلى أروقة المحاكم.. كيف تحول مسجد مولينس دي ري إلى ساحة صراع داخل الجالية الإسلامية؟

من الإفطار الجماعي إلى أروقة المحاكم.. كيف تحول مسجد مولينس دي ري إلى ساحة صراع داخل الجالية الإسلامية؟

 

بقلم: مريم مستور

مولينس دي ري – برشلونة

 

في الوقت الذي تسعى فيه الجالية المغربية في كتالونيا إلى تعزيز قيم التعايش والاندماج والانفتاح داخل المجتمع الإسباني، برز مسجد بمدينة مولينس دي ري على وقع نزاع داخلي حاد وصل إلى أروقة القضاء، بعد سنوات من الخلافات حول طريقة التسيير ورؤية العمل الجمعوي والديني.

في قلب هذه القضية يقف السيد عبد الواحد ميمون، رئيس جمعية أنوال ورئيس المسجد بالمدينة، المعروف وسط عدد كبير من أبناء الجالية المغربية والمسلمة بنشاطه الاجتماعي ومشاركته المستمرة في المبادرات الرامية إلى تعزيز الحوار والتعايش بين مختلف مكونات المجتمع المحلي.

 

بحسب رواية ميمون، بدأت بوادر الخلاف عقب إعادة انتخابه رئيساً للجمعية، حيث تبنى رؤية تقوم على إشراك النساء في العمل الجمعوي إلى جانب الرجال، انطلاقاً من قناعته بأن المرأة أكثر قرباً من قضايا الأسرة والأطفال، وتمتلك خبرات يمكن أن تساهم في تطوير العمل الاجتماعي والتربوي داخل الجمعية.

غير أن هذا التوجه، حسب قوله، لم يلق قبولاً لدى بعض المنخرطين الذين اعتبروا أن دور المرأة يجب أن يبقى محدوداً داخل البيت، وهو ما فتح الباب أمام سلسلة من الانتقادات والخلافات الداخلية.

 

وفي إطار تعزيز الروابط بين أبناء الجالية ومحيطهم المحلي، أطلق ميمون أول إفطار رمضاني جماعي من نوعه بالمنطقة، وهي مبادرة لم يسبق تنظيمها بهذا الحجم في مولينس دي ري.

وشهدت المناسبة حضور شخصيات دينية ومؤسساتية بارزة، من بينها ممثلون عن جمعيات إسلامية، ومسؤولون عن الحوار بين الأديان، وعمدة المدينة، إضافة إلى فعاليات مدنية وأفراد من الجالية المسلمة القادمين من مناطق مختلفة من كتالونيا.

لكن النجاح الذي حققته المبادرة لم يمنع ظهور موجة من الانتقادات، إذ يتحدث ميمون عن اتهامات وجهت إليه من طرف بعض المعارضين الذين اعتبروا مشاركة شخصيات غير مسلمة في النشاط أمراً مخالفاً لتصورهم للدين، كما انتقدوا مشاركة النساء في بعض الأنشطة المرتبطة بالجمعية.

 

ورغم الانتقادات المتواصلة، يؤكد رئيس الجمعية أنه واصل عمله دون الدخول في مواجهات مباشرة، مفضلاً التركيز على الأنشطة الاجتماعية والتربوية.

ومن بين الإجراءات التي يقول إنه اعتمدها لتعزيز الثقة والشفافية، نشر تفاصيل التبرعات والمصاريف داخل المسجد بشكل دوري حتى يكون المصلون والمنخرطون على اطلاع دائم بكيفية صرف الأموال التي يتبرعون بها.

ويرى ميمون أن هذا النهج في الشفافية لم يكن محل ترحيب من بعض الأطراف التي كانت تفضل، بحسب تعبيره، إدارة الشأن الداخلي بعيداً عن رقابة المنخرطين والمصلين.

 

مع حلول رمضان الموالي، قررت الجمعية تنظيم الإفطار الجماعي للمرة الثانية.

ورغم استمرار حضور الجالية بكثافة، إلى جانب ممثلين عن البلدية والسلطات المحلية، فإن الأجواء كانت أكثر توتراً هذه المرة.

ويؤكد ميمون أن مجموعة من المعارضين حاولوا منع إقامة النشاط، الأمر الذي استدعى تدخل الشرطة لضمان مرور الحفل في ظروف عادية.

وبحسب شهادات حضروا المناسبة، شهدت الفترة نفسها عدة احتكاكات ومشادات بين أطراف النزاع، ما عمق الانقسام داخل المسجد.

 

المنعطف الأخطر في القضية جاء، وفق رواية رئيس الجمعية، عندما فوجئ خلال توجهه إلى صلاة الظهر بأن أقفال المسجد قد تم كسرها وتغييرها، وأن أشخاصاً آخرين أصبحوا يقدمون أنفسهم باعتبارهم المسؤولين الجدد عن المؤسسة.

ويقول السيد عبد الواحد ميمون إنه كان قد تلقى قبل ذلك بأسابيع إشعاراً يفيد بتقديم ملف إلى الجهات المختصة في مدريد لتغيير رئاسة الجمعية، رغم عدم إجراء أي انتخابات أو جمع عام استثنائي وفق المساطر القانونية المعمول بها.

وأضاف أنه سارع إلى إعداد رد قانوني للطعن في تلك الإجراءات، غير أن الوثيقة لم تصل إلى وجهتها، بعدما أوكل مهمة إرسالها إلى شخص كان يثق فيه، ليتبين لاحقاً أنها لم ترسل.

ويطرح ميمون تساؤلات حول الكيفية التي تم بها اعتماد الملف المنافس، معتبراً أن الأمر يستوجب توضيحات قانونية وإدارية من الجهات المختصة.

 

أمام هذه التطورات، قرر رئيس الجمعية اللجوء إلى القضاء.

ويؤكد أن هدفه ليس التمسك بالمنصب بقدر ما هو الدفاع عن ما يعتبره “حرمة المسجد” واحترام القوانين المنظمة للجمعيات.

كما يشير إلى أن حالات مشابهة شهدتها مساجد أخرى في السابق، حيث تم تغيير رؤساء جمعيات بطرق مثيرة للجدل، لكن أغلب المتضررين لم يلجؤوا إلى القضاء بسبب التكاليف أو الرغبة في تجنب الصراعات.

 

القضية تطرح اليوم أسئلة أوسع تتعلق بمستقبل إدارة المؤسسات الإسلامية في أوروبا، وحدود مشاركة المرأة في العمل الجمعوي والديني، ومدى قدرة بعض الجمعيات على التكيف مع قيم الشفافية والحكامة والتعايش التي تقوم عليها المجتمعات الديمقراطية.

كما تثير تساؤلات حول دور الهيئات الإسلامية الإقليمية في كتالونيا وإسبانيا في معالجة النزاعات الداخلية قبل وصولها إلى المحاكم، وحول مسؤولية مختلف الفاعلين في حماية صورة الجالية المسلمة من الانقسامات والصراعات التي قد تستغلها بعض التيارات المعادية للمهاجرين والمسلمين.

وفي انتظار كلمة القضاء، يبقى مسجد مولينس دي ري عنواناً لجدل يتجاوز الخلاف حول رئاسة جمعية، ليطرح نقاشاً أعمق حول نماذج التدبير الديني ومستقبل العمل الإسلامي في أوروبا بين الانفتاح والمحافظة، وبين الشفافية والصراع على النفوذ.

Comments (0)
Add Comment