النهظة الدولية بقلم محمداعويفية
لا أحد في العالم كله يختلف على أن عمال النظافة يستحقون كل الاحترام والتقدير، فهم بالفعل يشتغلون في ظروف صعبة للغاية ، خاصة خلال فترة عيد الأضحى حيث تتحول الشوارع إلى أكوام كبيرة من الازبال و مخلفات الذبائح، بينما يختار كثيرون الراحة والاحتفال مع عائلاتهم. لكن المشكلة ليست في توجيه الشكر لهم، بل في الطريقة التي يتحول بها هذا الشكر إلى ستار يخفي اختلالات أعمق في تدبير الشركة وقبلها مجلس المدينة لمشكل النظافة.
المنشور الذي يتغنى بـجنود الخفاء ويحمل كلمات الثناء والدعاء ، والذي روج له جيدا في بعض المواقع ،يبدو في ظاهره طيبا ، إنسانيا وجميلا، لكنه في العمق يطرح سؤالا محرجا: لماذا وصل أمر نظافة المدينة إلى هذه الدرجة من الاهمال؟ ثم لماذا نطالب عامل النظافة دائما بالتضحية والصبر، بدل أن نسائل المسؤولين عن ظروف اشتغاله؟ كيف يصبح عدم التدخل الفوري وغياب المعدات والآليات أمرا عاديا إلى درجة يتم ذكره مرور الكرام وكأنه تفصيل جزئي بسيط، بينما الحقيقة أنه فضيحة تدبيرية كبرى لايمكن السكوت عنها؟
أي منطق هذا الذي يجعل عمال النظافة يواجهون أطنان الأزبال ليلة العيد دون تحفيزات و دون توفير الوسائل الكافية، ثم نغطي هذا التقصير الإداري بسيل من العبارات العاطفية؟ فالشكر لا يمكن أن يكون بديلا عن الحقوق والتعويضات ، والتصفيق لا يعوض انعدام المعدات، والدعاء لا يعوض ظروف العمل اللائقة.
العمال لا يحتاجون فقط إلى كلمات منمقة مثل جنود الخفاء و أبطال الظل، بل يحتاجون إلى أجور محترمة، وتأمين صحي، وتعويضات عن العمل في الأعياد، وتجهيزات حقيقية تحمي كرامتهم وصحتهم، بالإضافة إلى حملات توعوية قوية مستدامة للتحسيس بأهمية النظافة وتثبيتها كسلوك يومي عند المواطن ،لأن تحويل العامل إلى بطل خارق يتحمل كل شيء بصمت، هو أحيانا طريقة ذكية لتبرير استمرار المعاناة وتكريس لوضع قائم .
ثم إن الحديث عن أن الآليات سيتم عرضها رسميا في فاتح يوليوز يحمل في طياته نوعا من الدعاية أكثر مما يحمل منطق التدبير المسؤول. المواطن لا يهمه موعد عرض الشاحنات أمام الكاميرات، بل يهمه أن تكون موجودة حين يحتاجها العمال فعلا في الميدان ووقت الحاجة.
المفارقة أن بعض المسؤولين يتذكرون عمال النظافة فقط في المناسبات، فينشرون صورا لهم في الميدان وكلمات مؤثرة تدغدغ العواطف ، بينما يعود هؤلاء العمال بعد انتهاء العيد إلى نفس المعاناة اليومية: أجور هزيلة، ضغط كبير، ونظرة مجتمعية لا تنصفهم.
نعم، من لا يشكر الناس لا يشكر الله، لكن من يكتفي بالشكر دون محاسبة المقصرين، يساهم أحيانا في تجميل فشل تدبير القطاع بدل إصلاحه بما يجب من صرامة وحنكة سياسية.
الاحترام الحقيقي لعمال النظافة لا يكون بالمنشورات وحدها، بل بأن نضمن لهم الكرامة والحقوق قبل دغدغة عواطفهم بعبارات الشكر والمديح .