العمل الجمعوي والحقوقي بين نبل الرسالة وواجب التحصين المؤسساتي

العمل الجمعوي والحقوقي بين نبل الرسالة وواجب التحصين المؤسساتي

بقلم: عبد الإله..ضعيف

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المجتمع المغربي، وما حققته المملكة من مكتسبات نوعية في مجال ترسيخ دولة الحق والقانون وتعزيز المشاركة المواطنة، أضحى العمل الجمعوي والحقوقي أحد الركائز الأساسية في البناء الديمقراطي والتنمية المستدامة، باعتباره فضاءً للتأطير والترافع وخدمة القضايا المجتمعية النبيلة، وجسراً للتواصل بين المواطن والمؤسسات في إطار من المسؤولية والاحترام المتبادل.

ولئن كان العمل الجمعوي والحقوقي رسالة سامية تتأسس على قيم التطوع والعطاء والتضحية ونكران الذات، فإنه في المقابل يظل مجالاً يتطلب قدراً عالياً من اليقظة والحكمة وحسن التقدير، حفاظاً على مصداقيته وصورته الاعتبارية ومكانته داخل المجتمع.

إن الفاعل الجمعوي والحقوقي الحقيقي ليس مجرد حامل لصفة أو منتسب إلى إطار تنظيمي، بل هو صاحب رسالة وموقف وقناعة، يستمد مشروعية حضوره من نزاهة سلوكه وصدق التزامه وإخلاصه لوطنه وثوابته ومؤسساته. ولذلك فإن العمل المدني الجاد لا يقاس بكثرة الشعارات ولا بوفرة الادعاءات، وإنما يقاس بحجم الإنجازات ونظافة اليد وصفاء النية واحترام القانون وأخلاقيات الممارسة.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية التحلي بأقصى درجات الحذر واليقظة من بعض الممارسات التي قد تتسلل إلى بعض الفضاءات الجمعوية والحقوقية، والتي لا تنسجم مع روح العمل المدني النبيل ولا مع أهدافه السامية. فهناك من يسعى إلى كسب المواقع والثقة عبر ترويج الأخبار غير الدقيقة أو استغلال حسن نية المسؤولين أو محاولة التأثير على مسارات اتخاذ القرار بوسائل بعيدة عن قيم الشفافية والوضوح والمسؤولية.ومن هنا، فإن الحكمة تقتضي من الأمناء العامين ورؤساء الجمعيات والهيئات المدنية والحقوقية أن يجعلوا من التحقق والتدقيق منهجاً ثابتاً في تدبير شؤون مؤسساتهم، وألا يُبنوا مواقفهم أو قراراتهم على مجرد روايات أو انطباعات أو معلومات غير موثقة، مهما بدا ظاهرها مقنعاً أو مغرياً.

فالتاريخ المؤسساتي يعلمنا أن كثيراً من الأزمات لم تكن نتيجة سوء النية بقدر ما كانت نتيجة التسرع في إصدار الأحكام أو الاعتماد على مصادر غير موثوقة أو منح الثقة لمن لا يستحقها. وعندما تغيب آليات التحقق الرصين، تصبح المؤسسات عرضة للارتباك وتضيع الجهود وتتأثر السمعة التي تم بناؤها عبر سنوات طويلة من العمل الجاد والمسؤول.إن المسؤولية القيادية داخل الجمعيات ليست امتيازاً شخصياً، بل هي تكليف أخلاقي وقانوني يفرض على صاحبها التحلي بالموضوعية والتجرد والإنصاف، وأن يكون ميزانه الوحيد هو الحقيقة المدعومة بالوقائع والأدلة والبراهين، بعيداً عن الأهواء والانفعالات والتأثيرات الجانبية.

كما أن من مقتضيات الحكامة الجيدة أن يتم التعامل مع جميع الأعضاء والمنخرطين وفق قواعد واضحة وشفافة تحكمها القوانين والأنظمة الداخلية، وأن لا يُفتح الباب أمام أي استثناءات أو ممارسات قد تثير اللبس أو تضعف ثقة الأعضاء في مؤسساتهم. فاحترام المساطر القانونية والتنظيمية يشكل حصناً منيعاً يحمي الجمعيات من الاختراقات والتوظيفات غير المشروعة.

وإذا كانت المساهمة المادية في دعم العمل الجمعوي سلوكاً محموداً عندما يتم في إطار الشفافية والقانون، فإن المسؤولية تقتضي في الوقت ذاته معرفة خلفيات أي مبادرة أو دعم أو تقرب من المؤسسة، حتى لا تتحول النوايا الحسنة إلى منفذ لتحقيق أهداف لا تنسجم مع رسالة الجمعية أو مبادئها.إن الفاعل الجمعوي والحقوقي الحق هو ذلك الإنسان الحكيم الذي يسمو فوق المصالح الضيقة، ويجعل من العدالة والإنصاف واحترام الكرامة الإنسانية بوصلةً لعمله اليومي. وهو الذي يدافع عن المظلوم دون تحيز، وينتصر للحق دون حسابات، ويزن الأمور بميزان العقل والحكمة، ويُدرك أن الكلمة أمانة وأن المسؤولية عهد والتزام.

ولعل من أبرز مقومات النجاح المؤسساتي أن يحرص المسؤولون على معرفة الأشخاص المحيطين بهم، وأن يتفحصوا بدقة دوافع من ينقلون الأخبار أو يقدمون المعطيات أو يسعون إلى التقرب من دوائر القرار داخل المؤسسات. فليس كل من أظهر الولاء صادقاً في ولائه، وليس كل من أكثر من المديح حريصاً على المصلحة العامة، ولذلك تبقى الحكمة والتمحيص والتثبت من أهم أدوات القيادة الرشيدة.إن الجمعيات والهيئات الحقوقية الجادة مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتحصين مكتسباتها المعنوية والتنظيمية، وترسيخ ثقافة المسؤولية والمحاسبة، والارتقاء بمستوى الأداء المؤسساتي بما ينسجم مع التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى تعزيز الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة وخدمة المواطن في إطار من الجدية والنزاهة.وإن المملكة المغربية، تحت القيادة الحكيمة والمتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، جعلت من المجتمع المدني شريكاً أساسياً في مسيرة البناء والتنمية، الأمر الذي يفرض على جميع الفاعلين المدنيين والحقوقيين أن يكونوا في مستوى هذه الثقة الوطنية الكبرى، وأن يقدموا نموذجاً راقياً في الالتزام والانضباط وخدمة الصالح العام.

وفي الختام، يبقى العمل الجمعوي والحقوقي مدرسة للقيم ومجالاً لصناعة الأمل وخدمة الإنسان، ولا يمكن أن يؤدي رسالته النبيلة إلا بوجود رجال ونساء يتحلون بالصدق والإخلاص والنزاهة والاستقامة، ويؤمنون بأن خدمة الوطن شرف ومسؤولية، وأن حماية المؤسسات من كل أشكال التضليل أو الاستغلال أو التوظيف غير المشروع واجب وطني وأخلاقي لا يقبل التهاون.حفظ الله المملكة المغربية الشريفة، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار والازدهار، وأبقى صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده ذخراً وملاذاً لهذه الأمة، وأقر عينه بولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن، وشد أزره بصنوه السعيد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد وسائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة.

متابعة فتيحة شهاب

Comments (0)
Add Comment