بقلم؛جميلة غطاس
يُحكى أن الدولة العثمانية وضعت منظومة قانونية دقيقة لتنظيم الزواج، جعلت منه ليس مجرد رباط شخصي، بل ركيزة لبناء مجتمع متماسك ومحصّن من مظاهر التفكك والانحراف. هذه القوانين – على صرامتها – تحمل في جوهرها بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا جديرًا بالتأمل.
الزواج في سن مبكرة: فقد اعتبرت الفترة ما بين 18 و25 سنة مرحلة اختيارية، بينما يصبح الزواج بعد الخامسة والعشرين إلزاميًا، إلا لعذر مرضي أو علمي. الهدف كان واضحًا: الوقاية من العنوسة، والتصدي لظواهر سلبية قد تهدد النسيج الأخلاقي والاجتماعي.
البعد التكافلي: من امتنع عن الزواج دون مبرر، اقتطع ربع دخله لصالح بنك زراعي يُموّل به زواج الفقراء. إنها فلسفة تجعل من المسؤولية الفردية أداة لدعم الفئات الهشة، فيتحول الامتناع إلى باب للعطاء.
الوظيفة والاعتراف الاجتماعي: ربط القانون تولي المناصب أو الوظائف الحكومية بالزواج، إدراكًا منه أن من لم يؤسس حياة أسرية مستقرة قد لا يكون مؤهلاً لحمل أمانة الشأن العام.
التعدد المشروط: لمن تجاوز الخمسين وكان قادرًا، دُعي للتعدد خدمة للمجتمع، أو بديلًا عنه التكفل بالأيتام والفقراء، في تجسيد عملي لفكرة المسؤولية الاجتماعية.
تشجيع الشباب: قدّم القانون هدايا سخية للشباب المتزوجين بين 18 و25 عامًا، من قطع أراضٍ أو رؤوس أموال بدون فوائد، بل وحتى إعفاءات من الخدمة العسكرية مراعاة لوضع الأسرة الناشئة.
التعليم والاستثناء: وحده طالب العلم نال الاستثناء من الإجبار، احترامًا لطلب المعرفة، مع ضمان تعليم أبناء الأسر الفقيرة والمُنجبة على نفقة الدولة.
هذه البنود، على تنوعها، تعكس رؤية متقدمة تسعى إلى تحقيق التوازن بين الحرية الفردية والمصلحة العامة، وبين متطلبات العدل وروح التكافل.
وبعين اليوم، قد نختلف في تفاصيلها أو آلياتها، لكننا لا نستطيع إنكار أن مثل هذه القوانين وضعت الإنسان في قلب السياسة الاجتماعية، وأدركت مبكرًا أن المجتمع القوي يبدأ من أسرة قوية.