لماذا ننسى سلبياتنا ونُمعِن في جلد ذواتنا؟

  • بتاريخ : نوفمبر 19, 2025 - 7:02 م
  • الزيارات : 2
  • لماذا ننسى سلبياتنا ونُمعِن في جلد ذواتنا؟

    بقلم: المعطي ولدالمسكين.

    في كل مجتمع بشرٌ من لحم ودم، يحملون في جيوبهم شيئاً من الخير وشيئاً من الشر؛ تتجاور فيهم الحكمة والطيش، العفة والانفلات، النزاهة والفساد. لكن الغريب أننا—خصوصاً في مجتمعاتنا—نعاني ميلاً غريباً لجلد الذات، ونميل إلى تضخيم سلبياتنا وكأنها قدر محتوم، بينما نقدّم إيجابيات الآخرين في صورة مثالية مصقولة تكاد تكون خالية من الخطأ.

    لماذا نفعل ذلك؟
    لأن الذاكرة، في كثير من الأحيان، لا تعمل كأرشيف حيادي، بل كمرآة مشوَّهة؛ تحتفظ بما يشبع إحساسنا بالنقص وتتغاضى عمّا يمكن أن يعيد لنا الثقة في أنفسنا.

    ازدواجية النظرة إلى النساء مثال صارخ.

    حين نتحدث عن المرأة، يتبدّى هذا الارتباك بوضوح:
    نشدّد على أخطاء نسائنا ونسهو عن فضائلهن، بينما نسرف في تمجيد “نساء الغرب” باعتبارهن أكثر تحرراً أو أكثر عفّة—بين قوسين—وفق الصورة التي رسمتها لنا الشاشات ووسائل التواصل.

    لكن الحقيقة أبسط وأعقد في الوقت نفسه:
    لا النساء سواسية، ولا الرجال كذلك.
    في كل مجتمع نساء شريفات وعفيفات ومجتهدات، ونساء يعانين ضياع القيم أو تشتت الهوية. الأمر ذاته لدى الرجال، سواء هنا أو في الغرب أو الشرق.

    المشكلة ليست في المرأة المغربية أو العربية أو الغربية، بل في عدسة التقييم، التي نحملها بداخلنا.

    الحُكم المنقوص.

    نحن نمارس على نسائنا تضييقاً في التقييم:
    نحاسبهن على الزلة الصغيرة، وننسى أن العفّة ليست زياً ولا لهجة ولا جغرافيا. والعجيب أننا حين ننظر إلى نساء الغرب نراهن عبر قنوات لا تنقل إلا ما تريد، لا ما هو حقيقي؛ نصدّق الصورة اللامعة ونغضّ الطرف عن واقع اجتماعي يشبه واقعنا تماماً: أسر محترمة، وأخرى مفككة… نجاحات وإخفاقات… قيم راسخة وقيم منهارة.

    كل المجتمعات تحمل الظل والنور معاً.

    الاستلاب الثقافي… حين نرى أنفسنا بعين الآخر.

    جزء من المشكلة يعود إلى الاستلاب الثقافي؛
    نتبنى أحكاماً جاهزة لا تشبهنا، ونقارن واقعنا بنماذج لا نعرف عنها سوى الواجهة. ننسى أن الغرب نفسه ينتقد ذاته أكثر مما نفعل نحن، ومع ذلك لا يكف عن تقدير مقدس لأفراده، رجالاً ونساءً.

    نحن، على العكس، نملك قدرة عجيبة على التقليل من ذواتنا، وكأننا لا نستحق إلا جلد الذات.

    إعادة ضبط الميزان.

    لا أحد يطلب منّا تلميع واقعنا أو إنكار أخطائنا، لكن المطلوب—وحده—العدل في النظرة.
    أن نفهم أن المرأة في بلادنا ليست أقل قيمة ولا أقل عفة ولا أقل كفاءة من المرأة في أي مكان آخر.
    وأن الرجل هنا ليس نسخة متدنية من رجل هناك.

    كل إنسان كائن مستقل، وقيمته لا تصنعها الخريطة بل تربيته واختياراته وضميره.

    خلاصة.

    المجتمعات ليست كتلاً صلبة من الخير أو الشر.
    ولا المرأة، ولا الرجل، ولا أي شعب على وجه الأرض يمكن حشره في قالب واحد.

    نحتاج فقط إلى أن نتعلم شيئاً بسيطاً:
    أن نتوقف عن محاكمة أنفسنا بأحكام عامة، وأن نرى نساءنا كما هنّ: بشراً كاملي الأنوثة والكرامة، لا ظلالاً مشوهة لصورة الآخر.

    المعطي ولدالمسكين.